حكايات حياة: أكان تدينا ام خجلا من العورة؟!!

لم يكمل جسدي عامه الثاني عشر إلا وكانت الدورة الشهرية قد زارته عدة مرات، وكنت محظوظة بامتلاكي أمًّا مهتمة، أخبرتني قبلها بشهور بما ينتظرني بطريقة بسيطة، وعلمتني كيف أهتم بنفسي، وكانت تعتني بي في المرات التي تسببت فيها آلام الطمث في جعلي طريحة الفراش.

يصعب على المرء كثيرًا أن يقيّم تجارب الأمس بمعايير اليوم . بمعايير اليوم، قد تكون المعلومات التي حصلت عليها آنذاك غير كافية، وقد يكون بعضها مغلوطًا أو غير دقيق، وقد يكون أسلوب ال حياة الذي كانت تلك المراهقة تعيشه بعيدًا عن المثالية وعما يجب أن يكون، من نواح عديدة، منها التغذية المتوازنة، وال عناية بالجسم والبشرة، والنشاط البدني، والوعي بالجسد، وتأثير العزلة الاجتماعية على الصورة الذاتية للجسد، وتأثير المعتقدات الدينية والممارسات الروحية على تلك الصورة أيضًا.

لخمس سنوات متواصلة، هي الثلث الثاني من سنوات الغربة، لم أكن أذهب إلى أي مكان، كنت آكل وأشرب كثيرًا وأنام كثيرًا، ويزداد وزني الذي ما زلت أ ذكر سخرية ال بنات من امتلائه النسبي وأنا في السنوات الأولى من ال مرحلة الابتدائية. كن ينعتنني بالدبة، رغم أن الطفلة آنذاك لم تكن ترى أنها ثقيلة الوزن إلى هذا الحد، بل كانت ترى أن الوصف بذيء وغير لائق، ولا داعي له، لكنها في النهاية كانت تشعر بأن مظهرها مرفوض لأسباب مبهمة وغير موضوعية. اس تمر ع دم اكتراث المراهقة بوزنها، تجاهلته، لم تسعَ للسيطرة عليه، لكنها كانت لسبب خفي تعرف أنها تملك كتلة جسدية غير مق بول ة اجتماعيًّا، رغم غياب المجتمع.

ابتداءً من الصف الخامس، كنت أدرس في البيت في أيام الدراسة، تشرح لي أمي معظم المواد الدراسية، ويشرح لي أبي بعضها، وأذهب لأداء الامتحانات على مدار أسبوع أو أسبوعين في آخر كل سنة، وإلى جانب ذلك ألتهم كل ما تقع عليه يدي من كتب دينية، لا أشاهد التلفاز، ولا أستمع إلا إلى إذاعة القرآن الكريم.

أما العالم الموجود خارج البيت، خارج العزلة الاجتماعية شبه التامة (كان لأسرتنا أصدقاء من أسر قليلة مغتربة أيضًا)، فلم أتعرف على ذلك العالم المجهول إلا عبر أمي، عبر حكاياتها وذكرياتها الخاصة. فمثلًا، كانت أمي تحذرنا من الحب قبل الزواج، رغم أنها ت زوج ت أبي بعد خطوبة (قصة حب) امتدت لأربع سنوات. حسنًا يا أمي سأكون ابنة صالحة بلا شك، أنا مستوعبة للدرس من قبل أن تلقيه عليّ، وبالتأكيد لن أحب قبل الزواج، ولن تطول فترة الخطبة أكثر من عام واحد، اطمئني من تلك الناحية. كأنني كنت أعرف ما أتكلم عنه.

لم أجد مكانًا أطبِّق فيه توصيات الشيوخ المتزمتة بشأن تغطية الجسد والتستر عليه، إلا في البيت. وباعتباره أمرًا مفروغًا منه، كان خروجي إلى الشارع، في المناسبات القليلة التي يحدث فيها ذلك، يتلازم مع تغطية ك امل ة لجسدي، ب اللون الأسود، بما في ذلك كفاي ووجهي، بل وحتى عيناي. أما في البيت فقد ألزمت نفسي بالجلابيب الواسعة السابغة طويل ة الأكمام، صيفًا وشتاءً. لم يفرض عليَّ أحد والديّ تلك المبالغة، لكنني كنت قاطعة في رفضي للبناطيل والأكمام القصيرة ، وتمسكي صيفًا وشتاءً بالأغطية السميكة التي تحجب جسدي جيدًا في أثناء النوم.

في جزء منه، كان ذلك تدينًا من نوعٍ ما، لكن للحق، كان الجزء الأكبر مرتبطًا بالخجل. كنت خجلى من جسدي المراهق، العورة؛ أي الشيء القبيح الذي سيكون ولا بد مقززًا لمن يراه، أكثر منه فاتنًا. بالأحرى، لم يخطر لي في تلك الفترة أنه فاتن، إلا من باب الفتنة المطلقة غير المحددة المعنى التي يتحدث عنها المشايخ. لم أكن أصدق أمي في المرات القليلة التي أثنت فيها على مظهري ووصفتني بأوصاف ال جمال ، فقد كنت أراني مفتقرة كثيرًا إليه، على الرغم من أني لا أذكر الآن نمو ذج ال جمال الذي كنت أقارن نفسي به لأخرج بهذه النتيجة. فقط كنت أعرف أني لست جميلة، بل وتصورت أحيانًا أن ملامحي رجالية، وأن نبرة صوتي أخشن من أن تكون لأنثى.

لأسباب تعود على الأرجح لطبيعة جسمي وللت قلب ات ال هرمون ية المرتبطة بالبلوغ، كان يكسو وجهي وأطرافي شعر خفيف اعتبرته كثيفًا آنذاك، وكان يغذي كراهيتي لهيئتي. بكيت بسببه لأمي ذات مرة، وأخبرتها بأنني أكره أن يكون لي شارب مثل الأولاد، وأكره أن أكشف عن ساعديّ وهما مكسوّان ب الشعر . هدّأت أمي من روعي وقررت أن تمنحني حرية (لم أستغلها فعليًّا حينها) لإزالة الشعر الذي يؤذيني، على الرغم من أن عادة نساء العائلة ألا يفعلن شيئًا من ذلك قبل الزواج، ليكون تجملهن من أجل أزواجهن فقط، وليفعلن ذلك للمرة الأولى في حياتهن، قبل زفاف هن بأيام قليلة، لكن يمكن لأمي الحنون أن تسمح لي ببعض الاستثناءات إن كان ذلك سيرفع من معنوياتي قليلًا.

الكاتب: لبنى أحمد نور

كاتبة ومترجمة

المصدر: حياة

إكتشف محتوى اكثر

تعليقات

  • Noona .11

    التدين جميل والستر جميل ولكن المبادلغة دائما لها اثر سلبيي انا اشوف انك حرمتي نفسك من انك تكونين انثى ببساطه وما نتج عن هذا الشي الا ضعف في الشخصية وعدم ثقة بالنفس

    • ساره سالم

      صح كلامك.

  • Soma

    مش غلط نعلم و نربي بناتنا على التدين.. بس في الوقت نفسه ما نخليهم ينسوا انهم بنات ومن حقهم يهتموا بحالهم... البنت طول عمرها بتحب تهتم بجسمها و بلبسها و بنفسها.. هيك طبيعتها الي ربنا خلقها فيها ياريت اهلنا يفهموا انه اهتمامنا بانفسنا مش شرط يكون عشان راجل او عشان حد.. هو فالمقام الاول عشاننا احنا 😊

    • 🌸zainab🌸

      احسنتي الكلام

  • Oulfa Malfoufa

    انا أيضا عقدني المجتمع في طفولتي و مراهقتي لكنني الآن شابة طموحة محجبة ملتزمة تمردت على المجتمع وادعو الله ان تتحقق احلامي 👌👌

  • Lina

    استر هو اجمل رقي تصل اليه الأنثى لجسدها

    • نوال الدلال

      الستر اجمل شي بلانوثة

    • Wafaa Ismail

      اللهم استرنا دنيا واخره

    • Emoo Yahya

      صح

    • Lina

      الستر

  • Dania Banisalman

    الدين ما بيمنعك ابدا من انك تهتمي بحالك بالعكس اصلا الدين بصونك وبعلمك كيف اتحافظي على حالك ولكن انتي ربطتي الدين بالعادات مثل انو عادت انك ما تشيلي شعر الجسم ابدا مش بالدين بالعكس الدين حث على النظافة قال رسول الله صلى الله النظافة من الإيمان.. وإزالة الشعر من الجسد يعتبر من مقايس النظافة الشخصية

‎استخدم تطبيق Hayaa لعرض تعليقات 46 المتبقية
إكتشف محتوى اكثر
افتحي Hayaa للمشاركة في المزيد من المواضيع النسائية
فتح

سؤال شائع

تحميل تطبيق Hayaa

لإدارة صحة فترة الدورة الشهرية ، شاركي في المواضيع الخاصة بالمرأة

Google play
App store

تم النسخ