رواية: عذابي الصامت - الفصل الثانى عشر

الفصل الأول👉

الفصل الثانى👉

الفصل الثالث 👉

الفصل الرابع 👉

الفصل الخامس 👉

الفصل السادس 👉

الفصل السابع 👉

الفصل الثامن 👉

الفصل التاسع 👉

الفصل العاشر 👉

الفصل الحادى عشر 👉

-12-

عليائي أنا

 

 (علياء)

لم تصلني رسالة اخرى من عادل...ولم ارى بعدها فؤاد..في الحقيقة حاولت.. ولكنه رفض التحدث الي..جعلني انهي اعتذاري ثم وببساطة ادار وجهه ورحل!!... نعم هو محق..ونعم انا مخطئة..ولكن أليس من المفترض ان يسامحني؟!..فحسب مايقال كل شيء مسموح ب الحب ..وهو يعلم مدى عشقي..بل جنوني بيوسف..وتمنيت لو انه يتفهمني....ألسنا صديقان وعلينا ذلك؟..اعني مسامحة بعضنا الاخر؟!.. آاااه اللعنة!!..رأسي يكاد ينفجر..انه عبارة عن ضوضاء لايمكنني اسكاتها..يا ليت افكاري كانت خرساء مثلي كي لاتسبب لي هذا القدر من ال صداع ...احاول نسيان يوسف فأجد عادل ينزل للمحاربة بدلاً منه يعرض لي اسوأ المخاوف وماالذي عساه سيفعله بيوسف...اعزل عادل عن المسرح فيعتلي فؤاد المنصة بدلاً عنه وافكر بشجارنا حول يوسف وغضبه مني....انهم حلقة واحدة يربطهم الشخص ذاته...يوسف!!.. كلما فكرت بأحد وجدت نهاية تفكيري تنتهي بيوسف!..

يوم ممل اخر يمر علي لااجد ماافعله.. ليس لي اصدقاء سوى فؤاد وفؤاد يخاصمني منذ اسبوع...لم تولد لدي رغبة في ال فترة الاخيرة من اجل ركوب الخيل..اشياء كثيرة جعلتني افقد الرغبة في فعل اي شيء والاستمتاع..ومضى علي اسبوع وانا احتجز نفسي في المنزل واغلب الاوقات اقضيها في غرفتي ولكن اليوم قررت النزول نحو الصالة لأشارك الخالة سمية جلوسها...اظنكم انتبهتم للتو فقط انها تكون في الحقيقة خالتي وليست عمتي!!..ولكني افضل منادتها بأسم العمة..لااعلم لماذا ولكني احب مناداتها هكذا فحسب..ربما لأن يوسف يفعل هذا!!...اه يااللهي..هاهو الموضوع يعود ليدور حول يوسف مرة اخرى!!.

على اية حال..كانت تجلس على الكرسي وتقوم بتطريز منديل حريري...جلست على الاريكة وحدقت بيديها كيف تصنع المنديل وانا اشعر بماء ح ارق يتجمع داخل عيناي وتعاسة فظيعة تسيطر علي...المرة الاولى والاخيرة التي طرزت فيها كان ذلك المنديل الذي اهديته ليوسف...لم تطرز يداي لسواه..ولم اهدي احداً شيئاً ما سواه... وكأنه الشخص الوحيد في عالمي!!..

استلقيت فوق الاريكة وعمتي تمنحني ابتسامة حنونة...هذه المرأة بالفعل لاتمل ابداً من التحديق بوجهي..يا إلهي كم احبها!!.. احياناً اتساءل..لو كانت امي لاتزال حية هل كنت سأحبها اكثر من العمة سمية الان؟!.. لا اعلم ماهو ذلك الشعور المميز الذي يربط الابنة بأمها والذي دائماً يضربون به الامثال..ولكني متأكدة انه لن يختلف كثيراً عن شعوري اتجاه عمتي..وكأني ولدت وحبها مخلوق في قلب ي من دون ارادة مني!!..

تبسمت لها ثم ادرت ابصاري نحو التلفاز لأشاهد مايعرض دون ان اهتم حقاً به بل ولم اسحب جهاز التحكم لأغير القناة...كان فيلماً ما..او ربما هو تقرير...عيناي تنظر نحوهم ولكني لااعرف ماذا ارى بالضبط.. كنت في عالم اخر تماماً...دقائق حتى بدأ صوتهم يبتعد شيئاً فشيئاً...تارة تنسدل جفناي وتارة اعود لفتحهما بقوة..بدأ الضعف يدب في جميع انحاء جسدي ورأسي يتثاقل ليسحبني رويداً نحو عالم الا حلا م وافقد اتصالي بالعالم من حولي تماماً لأغط بنوم عميق كالطفلة البلهاء التي اينما جلست نامت!!..

ربما هي ساعة...وربما اكثر وانا لاازال اغط بالنوم فوق الاريكة..لااعلم من جلس ومن رحل؟..لااعلم ماالذي يحصل بجواري او هل هناك احداً ما ام انها مجرد هلوسة تمزج مابين الحلم والواقع؟..اختلطت مجموعة من الاصوات بالقرب مني وضحكات ولكني لم استطع تمييزها وسمعها جيداً ولم تتمكن من انتشالي من عالم سباتي..أتعلمون ماالذي انتشلني؟!..كانت وسادة الاريكة وهي تلقى بقوة فوق وجهي يليها صوت اعرفه جيداً وهو يناديني:

ـ قومي ياكسولة.. ألم تريدي مرافقتي للسوق؟!.

هذا العم كمال ومزاحاته السخيفة!!.. ان وجدني احدق بشيء ما وسارحة بتفكيري كان يضع خيطاً فوق رقبتي ليجعلني اقفز كالبلهاء معتقدة انها حشرة ليدخل هو بنوبة ضحك على منظري...أو يهديني هدية لأفتحها فتطلق سائل احمر يغطي وجهي ويبدأ بالضحك علي..او كما رأيتم الان يلقي بالوسادة علي ليفزعني من نومي..
حسناً انا احبه ولكن يوماً ما سأقتله بسبب مزاحاته هذه!!...

شعرت بجلوسه على طرف الاريكة بالقرب من ق دم اي ليبدأ بين تارة واخرى يرمي بالوسادة فوق وجهي ليجعلني انهض ولكني كنت شديدة النعاس ولم اقوى حتى على فتح عيناي فسمعت صوت العمة سمية تقول له وهي تضحك:

ـ كف عن ذلك ياكمال..ألا ترى انها نائمة..

فأجابها وهو يلقي وسادة اخرى فوق وجهي ألى ان اصبح رأسي تحت كومة من الوسائد:

ـ هي من ارادت مرافقتي للسوق..تريد شراء بعض الحاجيات...ان تركتها الان وذهبت فستجبرني لاحقاً ان استيقظت على اصطحابها حتى لو كان منتصف الليل..

فسمعت صوتاً ثالثاً ينضم اليهم..كان جدي..ولكن لم يبدو انه كان يتحدث اليهما:

ـ أهذه هي اوراق الاجتماع الاخير؟!..

لتجيبه نبرة هادئة ورجولية اعرفها جيداً:

ـ اجل..وهذه ايضاً معهما..

نبرة كان مفعولها اقوى من مفعول الوسائد لتجعلني افتح عيناي بقوة وانهض فوراً بانتفاضة جعلت كل الوسائد تقع ارضاً وانا انظر بفزع ليساري....يوسف!!!.. اكتشفت اني كنت اغط بالنوم وسط اربعة اشخاص دون ان استيقظ او اترك عالم احلامي...انا بلهاء بالفعل!!..كيف لأحد ان يس تمر بالنوم مع وجود كل هذه الاصوات على مقربة منه دون ان يستيقظ!!

رفع يوسف رأسه الي مع جلوسي بهذا الشكل وتحديقي به بتفاجئ وتفحص ملامح وجهي قليلاً ثم رفع عيناه نحو شعري وتبسم قبل ان يعيد ابصاره نحو الملفات ويكمل حديثه مع جدي...لا يا اعزائي..لم تكن ابتسامة اشتياق...بل منظر شعري الثائر يدفع اي احد للضحك علي...رفعت يداي بتوتر فوراً ورتبته قليلاً لأجد وسادة اخرى تضربني من الخلف!!.. التفتت بضيق نحو عمي كمال وانا اشير:

ـ(ألم تراني استيقظت؟!)

ادّعى التفاجئ وهو يمازحني قائلاً:

ـ اسف صغيرتي!!...كما تعلمين انتي قصيرة جداً ولايمكنني ملاحظة ان كنتِ مستلقية او جالسة...او حتى واقفة!!..

مع كلمته الاخيرة اطلقت عمتي ضحكة قوية..ولكن ليس ضحكتها من جذبتني.. بل تلك الضحكة المكتومة التي اطلقها حبيبي المجافي!!..التفت اليه لأجده يضم شفتيه لبعضهما كي يخفيها ويقطب حاجبيه وهو يدّعي ان شغاله بالتركيز داخل الملف.. يااللهي عمي كمال!!..أود الان قتلك حقاً!!..هذا ماكان ينقصني..السخرية من طولي!!...طولي حوالي الـ160 اي لست قصيرة جداً..ماذا افعل ان كانو هم طوال القامة جداً؟!!....
زفرت بضيق واستعدلت بجلستي وانا اكتف يداي امام صدري وانظر نحو التلفاز بأقتضاب.. فأنا صاحبة مزاج سيء جداً ل مدة نصف ساعة بعد استيقاظي من النوم وكأني كنت اتشاجر مع احدهم!!..
سألتني عمتي وكانت لاتزال تطرز ذلك المنديل ولكنها توشك على انهائه:

ـ ماذا كنتِ محتاجة من السوق حبيبتي؟!.

اشرت لها بكسل فجسدي لايزال يطالبني بالمزيد من النوم:

ـ (مكونات صنع كعكة الشوكولا...هناك بعض المواد ناقصة لم اجدها لدينا)..

ـ اوه..الكعكة التي ستصنعيها من اجل فؤاد؟!..

لم اكن انظر اليه ولكني شعرت بأرتفاع رأسه فوراً بقوة من فوق الاوراق..نظر نحو عمتي ثم ادار بصره الي..ادرت كرتا عيني بتردد لأجد عيناه تلهبان وهو يحدق بي بجمود...كل شيء توقف بالنسبة له وكأنه اصيب بالشلل المفاجئ..لايزال القلم بين اصابعه يضعه فوق الورقة دون ان يكمل الكلمة التي كان يكتبها..لايزال ظهره منحني قليلاً بأتجاه المنضدة التي ينثر فوقها الملفات ولم يجعله مستقيماً... رأسه هو الشيء الوحيد الذي حركّهُ ليلتفت بأبصاره الح ارق ة الي..ليجعل خنجراً نارياً يخترق قلبي يجعلني اتمنى ان ابوح له بكل شي كي لايفمهني بشكل خاطئ.. ولكن كلما اردت ذلك..وكلما اردت ان اصلح الامور التي بيننا كنت ات ذكر عبارة عادل..."صاحبة الدم الملوث"... ويوسف سيبقى صاحب الدم النقي...لذلك من الافضل ان ابقيه بعيداً عني كي لايؤذوه.. كي لايتحمل مسؤولية خطأ ارتكبه غيره.. كما فعلت انا!!...
حدقنا بوجه بعضنا قليلاً قبل ان التفت نحو عمتي لأشير:

ـ(اجل..انها كذلك)

ثم وقفت من فوري وانا اشير لعمي كمال:

ـ(سأذهب لأغير ملابس ي وانزل)

فأومئ لي بأبتسامة قائلاً:

ـ حسناً حبيبتي...

صعدت الى غرفتي بأسوأ شعور مر علي بحياتي...انا اراه لمرة واحدة في الاسبوع ولكني لااتحدث اليه..لااتمكن من النظر اليه ألا بنظرات خاطفة وسرية..وكأنه اصبح فجأة غريب عني..وهذا اكثر ما يؤلمني!!..

فتحت باب خزانتي ونزعت قميصي واخرجت غيره لأرتديه..اغلقت باب الخزانة فأنعكست صورة جسدي في المرآة... يداي..ظهري...بطني....كل شيء شبه مشوه!!..مابين اثار بعض الحروق.. مابين اثار ضرب وتعذيب...وذلك الجرح الكبير الذي يمتد من خاصرتي وينتهي عند الاخرى لايزال اثر التقطيب واضح ولم تزليه السنين...تصاعدت انفاسي ووقعت دموع ي فوراً من دون تأني وكأنها كانت تنتظر الفرصة عند حدود جفوني لتنزل..رفعت يدي المرتجفة وانفاسي تهتز مع اهتزازة جسدي وانا اتلمس بأطراف اصابعي صورة الجروح في المرآة..فأنا لااجرؤ على لمسها مباشرةٍ واكتفي بلمس انع كاس ها... شعرت بها وكأنها لم تلتئم ابداً وعادت لتأن من جديد صارخة بألم تطلب المساعدة.. رفعت عيني في المرآة لأشاهد هذه المرة انعكاس باقي اجزاء الغرفة من خلفي بدلاً من جسدي فبدأ عقلي يبث لي الهلوسة من شدة الرعب الذي خلقته ذكرياتي بداخلي!!..

رأيت الغرفة تتغير وتصبح مظلمة.. وبابها اصبح من الحديد الصدأ..لايوجد به مقبض بل قضبان في اعلاه يدخل النور خلسة الي من خلاله...جدرانها متسخة..ارضها باردة..اصواتها مخيفة..مليئة بالانين والبكاء وروائح عفنة تصدر من زواياها... سأفقد عقلي!!..هذا ان لم افقده بالفعل!!..فتحت باب الخزانة بعنف مرة اخرى كي ابعد المرآة من امامي ولاارى ذلك المنظر البشع الذي يدفع ذكرياتي بقوة داخل عقلي...شعرت بأقدامي تضعف ولم تعد قادرة على حملي مرة اخرى من ثقل الذكريات التي اجتاحتني فوقعت على ركبتي بضعف وانا الصق بطني فوق فخذاي واحوط جسدي بيداي وابكي بمرارة....اريد ان انسى..اريد ان ابدأ صفحة جديدة...ولكن كلما حاولت النسيان كلما فتحت هذه الجروح ابواب الماضي على مصراعيه في عقلي تجعلني ادرك انه لم تعد هناك صفحة خالية في كتاب حياتي لأبدأ منها صفحة جديدة....فأنا قد وصلت لنهايتي بالفعل!!...ذلك السجن...ذلك العذاب الذي تعرضت له...لايمكنني ان امحيه من سطوري ابداً!!

~~~~~~~~~~

 (يوسف)

أهناك داعي لأخبركم اني على وشك فقدان عقلي الان؟!!..وصلت الى حدي الاقصى من الغضب..فؤاد!!..في هذه اللحظة انا اعترف ان هناك ملايين الافكار الشيطانية التي تغزوني وتقدم لي الحل المثالي لأتخلص منه للأبد..ولكني احاول قدر الامكان ان ابقى عاقلاً!!..
أدعيت انشغالي بالعمل مرة اخرى ولكني في الحقيقة لست في هذا العالم على الاطلاق..فعقلي بالطابق العلوي معها..وددت حقاً ان اضرب الطاولة بعنف الان واصعد نحوها لأتشاجر وافصح عن كل مشاعر ي وعن كل مايثير جنوني لأنهي هذه المهزلة السخيفة...ولكن كما قلت لكم..احاول ان ابقى عاقلاً قدر الامكان الان!!!...
استمر جدي بالحديث وانا لم اعد افهم بالضبط عما يتحدث؟!.. كل شيء يسألني عنه اجيبه بـ"نعم" دون ادرك صيغة السؤال حقاً..كلفني بمهام وافقت عليها فوراً دون ان افهم ماهي بالضبط؟!..انا حقاً فقدت جميع حواسي الان....ولكن اذناي فقط من عملت بشكل صحيح بعد 20دقيقة وهي تلتقط صوت ضربات سريعة فوق ارضية السلم..كانت اقدامها تنزل بخفة نحو الطابق السفلي و شعره ا الحريري يتطاير خلفها...أتذكرون تلك البراكين التي انفجرت بداخلي؟!..خمدت الان فوراً وانا احدق بذلك الملاك الذي نزل من الفردوس الينا... اللعنة ياعلياء فقط لوتعلمين كم اعشقكِ!!
علّقت ابصاري بها دون ان امل ك القدرة على ازاحتها...اشارت للعم كمال شيئاً ما لم استطع فهمه لأن شيئاً اخر بيدها قد جذبني...كان حرف الـZ !!..لايزال الى الان يحتل راحة يدها..لاتزال الى الان ترفض اجراء عملية تجميل ية له لتزيله!!.. لماذا ياعلياء؟!!...شعرت بأنقباض رئتاي فوراً وذكرى ذلك اليوم المشؤوم تعود لي.......صرخاتها..بكائها..استغاثتها..كل شيء يعيد نفسه كومضة برق سريعة في عقلي....غصت في ذكرياتي بعيداً عن الجميع وسحبني الماضي جبراً اليه لدرجة لم الاحظ خروج العم كمال وعليائي ألا بعد ان سمعت الباب يُغلق من خلفهما...رحلت!!..وكأنها لن تعود ابداً.. وكأني لن اراها من جديد...فراغ قاتل احتل صدري بعد ذهابها جعلني لااركز بشيء سواها..ولااريد شيء سواها..

استغللت فرصة دخول جدي نحو مكتبه من اجل احضار بعض الملفات لأهمس للعمة سمية بنبرة غاضبة:

ـ كعكة؟!!...ستعد من اجله كعكة؟!!..

ومن دون ارادة منها وجدت نفسها تتبسم على غيرتي الواضحة وهي تقول لي وتضغط على كل حرف من حروفها:

ـ انهما مجرد صديقان...م ج ر د ص د ي ق ا ن....هل اتهجئها لك اكثر صغيري؟!..

ارتفعت نبرتي قليلاً ولكني حافظت عليها هامسة بعض الشيء كي لاتنساب لمسامع احد:

ـ لاتجعليني افقد صوابي عمتي!!... انه شاب...ش ا ب...هل اتهجئها انا لكِ؟!..

ـ وهل تريدها ان تصادق عجوز؟!..

ـ لا...اريدها ان تصادق فتاة ..

فقالت بسخرية ممازحة:

ـ اعذرنا سيد يوسف لم تتقدم الكثير من ال فتيات لهذه الوظيفة..

زفرت بضيق وانا اقول:

ـ انا جاد عمتي!!..

ـ وانا كذلك عزيزي...فهل تظن مثلاً ان هناك فتاة تعيش على مقربة منا؟..أتظن ان هناك فتاة قبلت علياء ان تصادقها في الجامعة او في المدرسة؟!!.فؤاد هو الشاب الوحيد الذي بعمرها والذي ربطتهما علاقة جيدة جعلتها تخرج من شرنقة حزنها التي حبست نفسها بها بعد رحيلكم...والان تريدها ان تتخلى عنه؟!!..

زفرت بضيق واشحت وجهي جانباً كطفل في السادسة سلبو لعبته المفضلة منه...
ثواني ليس اكثر حتى التفت اليها مجدداً وانا اقول:

ـ ومن اجل ماذا هذه الكعكة؟!..

عادت عمتي لتتبسم على طريقة حديثي وغيرتي وقالت:

ـ علياء لم تتحدث عن الامر كثيراً ولكن ماعرفته منها انها هي المخطئة وتريد ان تعوض خطئها ولأنه لم يتقبل اعتذارها عندما ذهبت له في المرة الماضية فهي ستأخذ له هذه المرة كعكة علّه يسامحها..هذا كل مااعرفه..

ﻻ تعليــــــــق!!...أتعلمون بما افكر الان؟!!...بصندوق متفجرات وعود ثقاب لأنهي هذه المسرحية الهزيلة واقتل جميع من حولي كي لايجرؤ وينطقو هذه السخافات مجدداً واول واحد سأقتله هو ذلك المدعو فؤاد!!....

ستعد له الكعكة كي يرضى عنها..اين المشكلة بالضبط؟!.. هيا بالله عليكم!!..انهما مجرد صديقان.. ص د ي ق ا ن...هل اتهجئها لكم؟!...حتى وان كان بعمرها..حتى وان كانت لاتتحمل مخاصمته لها..حتى وان كانا يقضيان اغلب الاوقات معاً..ويخرجان معاً..ويتدربان على الخيل معاً..ويتنزها معاً...في النهاية هما مجرد "صديقان"....هذا كله وعلي ان لاارى اي مشكلة؟!!...عمتي سمية انا بالفعل........ حسناً....لاتعليق...انسو الامر..

عاد جدي مجدداً بالملفات وجلسنا لنكمل عملنا وغرقنا بداخله وغصنا بأعماقه بعيداً عن الواقع...وبالتأكيد لم ينتشلني شيء نحو السطح سوى صوت انفتاح الباب مرة اخرى بعد مضي نصف ساعة تقريباً ليطل وجه اميرتي الصغيرة تحمل بيديها الاكياس....الاكياس!!..الكعكة!!..فؤاد!!...من منكم يعرف كم سعر صناديق المتفجرات لو سمحتم؟!!...

اتجهت من فورها نحو الم طبخ لتباشر عملها واتجه عمي كمال نحونا..انهينا عملنا بعد 15دقيقة تقريباً وبدأ جدي والعم كمال يثرثران حول شيء ما لم اعرف ماهو بالضبط وشاركتهما العمة سمية به... دقائق..لا..ثواني...لا...ربما اقل..حتى نهضت من مكاني متجهاً نحو المطبخ متعذراً بشرب الماء...

دخلت اليه ومن الجيد انه لم يكون يحوي سوى اميرتي....اميرتي وكتاب طبخها والطحين الذي يغطيهما!!...حمقاء في الطبخ كالعادة لذلك تستعين بالكتاب كي تجيد اعداد كعكة...
رمقتني بنظرة سريعة حال دخولي ثم اعادت ابصارها نحو الكتاب لتكمل ماتفعله.. فتحت باب الثلاجة واخرجت قنينة ماء...ولكني اعدتها فوراً...فشيطاني عرض علي فكرة اخرى...فالماء لن يفسد شيئاً!!.. تركت الماء وسحبت قنينة عصير ثم اغلقت باب الثلاجة واستندت عليه بظهري وانا ارتشف العصير بتروي واحدق فيها بتمعن وهي تدير ظهرها لي تنظر نحو الكتاب تارة وتضيف المواد في قالب الكعك الذي امامها تارة اخرى...
انهيت نصف القنينة تقريباً وتقدمت نحوها بخطوات ثابتة الى ان وقفت بقربها تماماً..رفعت رأسها الي بأستغراب وحدقت داخل عيناي بأرتباك....هي تعلم جيداً اني احبها...وانا اعلم جيداً انها تحبني...فلماذا نستمر بهذه التمثيلية السخيفة؟!..انها عليائي انا..لطالما كانت كذلك..ولن تكون غير ذلك...
حدقت في عينيها بأبتسامة لثواني ثم قلت لها بهدوء وثقة:

ـ اول مرة طرزتِ فيها..كانت من اجلي... واول مرة تبسمتِ فيها...كانت من اجلي.. واول مرة كذبتِ فيها...كانت من اجلي..

وفجأة سكبت ماتبقى من قنينة العصير داخل علبة الكعكة لأفسدها وانا اكمل ببرود:

ـ لذلك لن اسمح ان تكون اول كعكة تعديها تكون لأجل غيري..

فتحت عينيها بدهشة وشهقت بفزع وهي تراني اسكب العصير داخل العجينة..ضربت القنينة لتبعدها وسحبت القالب فوراً لعلها تنقذ ماتبقى..ولكن هذا مستحيل...لقد فسدت عجينة كعكتها الجميلة....فسدت وابتسامة عريضة تحتل ثغري...اما هي...حسناً..انها مجرد خزان بنزين رميت فيه عود ثقاب.. هكذا كان منظرها بالضبط وانا اشاهد شرارات الغضب تتطاير من عينيها ووجها يصطبغ بالاحمر وهي تدفعني من صدري بعنف وتشير لي:

ـ(هل فقدت عقلك؟..ما هذه التصرفات الصبيانية التي تفعلها؟!..)

احتفظت بابتسامتي تلك فوق وجهي وهي تنظر نحوي بعيون نارية رفعتي كتفاي بعدم مبالاة وانزلتهما وانا اقول:

ـ سميها كما شئتِ!!..

ثم تركتها وخرجت من المطبخ وانا اشعر براحة غريبة تغزوني..

~~~~~~~~~

 (علياء)

نعم قد اكون غاضبة بعض الشيء لأني بالكاد تمكنت من خلط المواد بطريقة صحيحة..ولكني سعيدة...بل انا اطفو فوق غيمة من السعادة ستأخذني لبلاد العجائب!!..ذلك الاهتمام..وتلك الغيرة.. انه يوسف الذي اعرفه من دون شك...عاشقي المجنون!!..ولكني بالتأكيد لن ابين له سعادتي هذه الان..

بعد دقيقتين نظفت نفسي من الطحين وخرجت نحو الصالة لأشاركهم جلوسهم.. غاضبة ولست غاضبة..سعيدة ولست سعيدة..شيء متناقض جلس معهم...
جلست بجوار عمتي اضع ساقاً فوق اخر واكتف يداي امام صدري واطالع التلفاز بغضب وكأني متخاصمة معه...سمعت صوت عمتي يخترق مسامعي وهي تقول:

ـ هل انهيتِ الكعكة؟!..

لم اجبها..بل اكتفيت بنظرة نارية منحتها ليوسف فتبسم وهو يضع حبة عنب داخل فمه ليشتت ابتسامته بالمضغ فأعدت ابصاري حيث كانت وفهمت عمتي من نظرتي تلك ان الكعكة لم يعد لها وجود.. ووجدتها تتبسم ايضاً..مامشكلة الجميع مع كعكتي بحق السماء؟!!..
فجأة سمعت صوت نغمة هاتف لم اسمعها من قبل ترن في منزلنا...كان هاتفه!!.. سيطرت على رأسي من دون ان التفت اليه ولكني لم استطع منع اذناي من التقاط صوته الرجولي الهادئ وهو يتحدث..

ـ اهلاً نورا..

انه اسم مؤنث!!...اوه انها نورا ابنة عمتي سوسن..لحظة...لماذا قد تتصل عليه؟!..
سكت لثواني قليلة بينما تتحدث هي ثم قال:

ـ لا في الحقيقة لازلت في المزرعة....اجل.....نخرج الى اين؟!..

وهنا كانت الضربة الحاسمة التي جعلت رأسي يلتفت اليه فوراً...يـ..يخرجان؟؟!!.. بصفتها ماذا بالضبط؟!!..ولما تسأل من الاساس عن مكان تواجده؟!..

ـ لا،لاداعي ان تنتظروني..اخرجوا انتم.... لاصدقيني لااستطيع فكما تعلمين اعود متعباً واريد ان احظى ببعض الراحة وايضاً غداً لدي عمل...صدقيني لااستطيع..

لما هي لحوحة هكذا بحق السماء؟!..لما لاتخرج من دونه تلك الـ......حسناً..لنهدأ قليلاً...لاداعي ان افقد اعصابي الان..

ـ لا لاداعي ان تؤجلوها..

هل افقدها الان؟؟!!...ألا ترون انها تبالغ؟!. وفي هذه اللحظة بالضبط رفع يوسف بصره الي...التقى بأبصاري النارية التي تخترق عينيه...سكت يستمع لتلك المزعجة تتحدث اليه بينما يعلق ابصاره بي بنظرة لم افهمها...اتظنون اني ادرت ابصاري نحو التلفاز وادعيت عدم الاهتمام؟!..لا...بيني وبين يوسف لاتوجد قاعدة كهذه ابداً...هو يعرف جيداً اي اشعر بالغيرة فماالداعي اني ابين له اني لست كذلك؟!!..
فجأة تحولت نبرته من التململ ومحاولة التملص من الامر الى نبرة خاصة وهو لايزال ينظر لي:

ـ حسناً ان كنتِ مصرة...مارأيكم ان تأجلوها ليوم الجمعة؟..انه يوم عطلتي وبأمكاني مرافقتكم...

يوسف...انا سأقتلك حقاً.....لست امزح.. انا سأقتله حقاً..ولكن لن استخدم سلاح.. فعشقنا مبني على الاستفزاز ليكبر!!..
اول ماانهى المكالمة وانزل الهاتف من فوق اذنه حتى قمت من مكاني واشرت لعمتي:

ـ سأذهب لرؤية فؤاد..

ثم تركتهم وخرجت...والاهم..تركت شعلة من النار خلفي اشعر بأبصاره الحادة ستنخر جدار رأسي من الخلف وتقتلع عقلي من مكانه..هذا ان بقي لدي عقل من الاساس بعد تلك المكالمة الهاتفية!!..

انا حقاً احتاج في هذه اللحظة لرؤية فؤاد كي تخمد نيراني بعض الشيء..
ذهبت نحو منزلهم واخبرتني خادمتهم انه في غرفته...القيت التحية الصامتة على جده وصعدت اليه...طرقت الباب عدة طرقات فخرج لي يرتدي بنطال قصير وقميص ابيض ويعبث بجهازه اللوحي..لابد ان يشعر بال ملل مثلي فكلانا لانملك اصدقاء غير بعضنا الاخر...تفاجئ بادئ الامر من رؤيته لي ثم كسى وجهه ب طبق ة من الجليد واتكئ على باب غرفته ينتظر مني ان ابدأ بالحديث...حدقت في وجهه بأبتسامة قليلاً فأنا اعلم جيداً انه يفتقدني ايضاً ولن يخدعني بكبريائه هذا...اشرت له بعد هذا لللقاء الساكن:

ـ(لقد أعددت من اجلك كعكة)

رفع حاجبيه قليلاً بدهشة فهو يعرف اني حمقاء في الطبخ...في الحقيقة الجميع يعلم ذلك!..
نظر نحو يداي ثم خلفي وبعدها اعاد ابصاره لي وهو يقول ببرود:

ـ أحقاً؟!..واين هي؟ فأنا لااراها بأي مكان..

ـ(يوسف افسدها عندما علم انها من اجلك)

فجأة وجدته يضحك ويتخلص من قناعه البارد ذلك وهو يتمتم:

ـ بالطبع...علي توقع هذا من ذلك المجنون بكِ..

اعتلت ابتسامة خجل شفتاي وتوردت وجنتاي وانا اعيد خصلات شعري بأرتباك خلف اذناي فمد يده وبعثر لي خصلاتي بأصابعه وهو يقول:

ـ ماذا؟..هل ستدعين الان انك تخجلين مني؟!..

ابعدت اصابعه عن شعري بطفولية وانا اشير له:

ـ(إذاً...هل هذا يعني اننا تصالحنا)

ـ بالطبع.........لا...

فضربته على كتفه ثم اشرت:

ـ(كف عن ذلك فؤاد..قلت لك اني اسفة)

ادعى الالم وهو يدلك كتفه ويقول لي:

ـ هل انتي فتاة حقاً؟!..

ومن دون ان اشير بكلمة اخرى عانقته بقوة ففهم مااردت قوله...مسح على شعري برفق وهو يقول بهدوء وعطف:

ـ تعلمين انه من المستحيل ان اغضب منك صغيرتي....ولكن اياكِ ان تشكي باخلاصي لك مجدداً..

فهززت رأسي بالنفي فأكمل:

ـ احسنتِ...لااريدك ان تظنِ ولو للحظة انه من الممكن ان اؤذيك انتِ او يوسف.. اريدك ان تتذكري هذا دائماً...

اومأت برأسي موافقة وانا اشعر ببعض الدموع تتجمع داخل عيناي..الان فقط شعرت اني مكتملة...الان فقط امتلأت تلك الثغرة التي في صدري بعد عودة فؤاد لي....انه الوحيد الذي يفهمني من بين تلك المجموعة...الوحيد الذي لايطلب مني ترك يوسف..بل ويحميه لي ايضاً..فلما لا احبه بهذا القدر؟!...لم اعرف ماهو الشعور الذي يجمع بين الاخوة..ولكني عرفته مع فؤاد فقط.... انه شخص لايمكنني ابداً الاستغناء عنه...انه الشخص الوحيد الذي سأعارض اوامر يوسف ان طلب مني الابتعاد عنه...انا متأكدة لو عرف يوسف حقيقة فؤاد فهو من سيصر على ابقائه بقربي....ولكني ببساطة..لايمكنني اخباره...لايمكنني تلويثه معنا...اريده ان يبقى النقي...كي لايقطعو له رأسه....مثلما سيفع لون معي.


المصدر: ponyponyyy


إكتشف محتوى اكثر

تعليقات

  • اميرة بشخصيتي

    فعلا الموضوع لا يتغير حوله ...ياانعيمي المستلذ وسري المقدس ....

  • لؤي دمعه أمه

    هلو

إكتشف محتوى اكثر
افتحي Hayaa للمشاركة في المزيد من المواضيع النسائية
فتح

تحميل تطبيق Hayaa

لإدارة صحة فترة الدورة الشهرية ، شاركي في المواضيع الخاصة بالمرأة

Google play
App store

تم النسخ