رواية: عذابي الصامت - الفصل الخامس عشر

الفصل الأول👉

الفصل الثانى👉

الفصل الثالث 👉

الفصل الرابع 👉

الفصل الخامس 👉

الفصل السادس 👉

الفصل السابع 👉

الفصل الثامن 👉

الفصل التاسع 👉

الفصل العاشر 👉

الفصل الحادى عشر 👉

الفصل الثانى عشر 👉

الفصل الثالث عشر 👉

الفصل الرابع عشر 👉

-15-

اعتراف

 (علياء)

مضت ثلاثة ايام على الحفلة استطعت فيها تجاوز ما حصل وتقبله بشكل اعتيادي بخصوص هارون... ولكن هناك شيء لن استطع تقبله بشكل اعتيادي على الاطلاق...نورا !!

ارتميت فوق وسادتي احدق في السقف باقتضاب اتخيل صورتها مرسومة امامي ..استمع لكلماتها المحملة بأخبث انواع السموم...كذاك السم الذي اصاب هارون جعله يموت بأزمة قلب ية!!..
ولكن سمها قتل روحي وابقى جسدي حيا.. ابقاه حيا لًأتعذب...لتوجه لي حرقا اًخر يجعلني لا انسى الحرق الذي وضعوه لي فوق يدي قبل سنوات....ولكن هذه المرة حريقها شب بداخل صدري تاركا قًلبي رماد من بعده!!.. اغمضت عيناي بقوة فاعتصر الدم ع الذي كان يختبأ بداخلهما وعادت ذكر ى يوم الحفلة لتغزو عقلي بكل قسوة..

- ومضة -

 ( - انه برفقة مجموعة كبيرة من رجال الاعمال ولا اظنك تود اخذ علياء الى ثرثرتهم المزعجة.. اتركها برفقتي بينما تنهي حديثك مع جدي..

- لن اتأخر عليائي..

راقبت ابتعاد يوسف عني باتجاه جدي وقلبي منقبض من بقائي بمفردي بعيدا عًنه... اشعر بالوحدة وانا معهم.. انه الوحيد من يطمأني بوجوده معي..

- اشبعي ناظريكِ منه...فانت لن تنالي اكثر من النظر اليه خلسة..

التفت اليها باقتضاب لأجد ابتسامة مستفزة تحتل ثغرها وهي تدير بصرها باتجاه يوسف لتنظر اليه بنظرة اعرفها جيدا.. نظرة وددت لو اني احقنها بتلك الحقنة التي اخبأها في حقيبتي واقتلها!!..زفرت بضيق دون ان ابدي اي ردة فعل اخرى...فهي لن تفهم لغة اشارتي وحتى لو فهمتها فهي ستتعمد التحامق وع دم الفهم كي تستهزأ بخرسي وتشعرني بالعجز!!..اكملت وهي ترمي لي حروفها ببطء وثقة:

- اعرف انك معجبة به... فمن عساه لا يعجب بيوسف؟!.. وسيم ..انيق ..طيب القلب ..المسؤول عن كل الممتلكات والشركات من بعد جدي وعمي.. المسؤول عن الاسرة.. صاحب القرارات الاولى والاخيرة!!..يعتمد عليه جدي في كل شيء...انه الشاب المثالي الذي تتمناه كل فتاة !!..

ثم اقتربت مني لتهمس لي بحقارة:

- ولكن شاب مثالي كهذا ..هل تظنينه سيت زوج ابنة السائق الخرساء؟!...صاحبة الدم الملوث؟!.. هل سيتشرف بأبنة الثوري داخل مجتمعه الراقي؟!..)

- الحاضر-

رفعت يداي وغطيت بهما وجهي بقوة احاول ان انتزع هذه الذكرى من عقلي ولا استطيع ذلك!!...

تلك الكلمات...بطريقة ما هي صحيحة.. ونعم انا كذلك... ولكن ..هل يفكر يوسف بهذه الطريقة ايضاً؟..نعم هو يحبني..انا واثقة من ذلك.. ولكن هل سيختارني حبيبة فقط وعندما يعود الامر للزواج فسيرتبط بغيري؟!.. هل سيتخلى عني؟..ولما قد لايفعل؟..هو قد فعلها مرة..هل سيفعلها مرة اخرى؟... كنت واثقة تمام الثقة مما يجري..كنت واثقة من حبه لي..ولكن الان لم اعد واثقة من شيء..لم اعد اعرف شيء..تزعزع كياني وتشوش عقلي!!..

ارتجف شيء ما بجانبي فنظرت لأجد شاشة هاتفي تضيء ويزينها اسم يوسف!!... ارتجف قلبي مع ارتجاف الهاتف وفتحته بسرعة لأجد رسالة منه :

- (كيف اصبحت صغيرتي؟! )

تبسمت و دموع اخرى تسقط من جفني تحمل اشواقي وحبي له وانا اجيبه:

- (بخير.. شكراً لك..)

- (متأكدة انكِ بخير؟! )

- (اجل.. اقسم لك..)

- (هذا جيد..انتظرت ثلاثة ايام كي تصبحي افضل واتحدث معكِ )

- (بخصوص ماذا؟!..)

- (اسمعي ايتها الطفلة الحمقاء المستفزة.. ان تجرأت مرة اخرى وعانقت فؤاد فسأكسر لكِ عظامك ..ولست امزح بهذا الخصوص... لا يهمني طبيعة ال علاقة التي تربطكما ..تبا لًكِ وله ولع لاقتكما السخيفة ..ان تجرأت وعانقته مرة اخرى فسأقتلك يا علياء ثم سأقتله )..

فتحت فمي بدهشة غير مستوعبة ما قاله.. ضحكت وكتمت ضحكتي بيدي من اعترافه الغريب هذا المليء بالإهانات...اي احمق هذا الذي وقعت بغرامه انا؟.. حركت رأسي بيأس منه واجبته برسالة:

- (هل هناك شاب محترم يتحدث الى فتاة بهذه الطريقة كي يعترف لها انه يغار؟!..)

- (اجل انا!....هل لديك اعتراض؟!..)

- (لا..كنت اتأكد فقط!..)

واس تمر ت بيننا المراسلة ل مدة خمس ساعات متواصلة من دون ملل ..شعرت بمدى سخافتي عندما صدقت كلام نورا اللئيم... فيوسف من المستحيل ان يتخلى عني..من المستحيل ان يشعر بالعار مني...مايربط بيننا لن يتمكن امثال نورا من فهمه ابداً!!...

ربما علينا ان نمنح من نحبهم دائماً فرصة كي يدافعوا عن انفسهم ان اردنا التمسك بهم حقاً ولا نخسرهم!!.. ربما علينا ان لا نتسرع في الحكم على احدهم ابداً بسبب فكرة غبية نسجها لنا خيالنا او اقحمها احدهم في عقلنا....ف الحب اعمى...وابكم.. واصم!!.. الحب يفقد كل الحواس ..ويعاند كل المنطق...العالم يقول يمين وهو يقول يسار ستسير انت لليسار...فلن يهمك سواه!!..

******************************

 (سامي)

عشرة ايام اخرى مرت على يوم الحفلة وانا وديما في اقسى حالات العذاب!!...كانت حبيبتي قلما تخرج من غرفتها بعد اعترافي الحقير ذلك لها في الشرفة..بالكاد اراها عندما تخرج للجامعة صباحاً.. ولكنها لم تكن تنظر الي.. عينيها كانت تائهة وحزينة وكأنها في عالم اخر...وجهها المشرق اصبح شاحب الان وعيونها ذابلة من كثرة البكاء...اراها احياناً تجلس في الحديقة فوق الكرسي وترفع ركبتيها الى صدرها لتلامس ذقنها وتحدق بنقطة وهمية لمدة ساعات وساعات دون ان تتحرك..ودون ان اتحرك انا عن مراقبتها...كان قلبي يعتصر من منظرها هذا...ولكن دون ان افعل شيء...فأنا ضعيف امامها...ضعيف جداً لًا اتمكن من البوح بأي شيء!!..

نزلت من السلم كي اتناول وجبة الغداء وتفاجأت بها هناك تجلس بجوار يوسف.. هي لم تشاركنا الطعام منذ ما حصل وكانت أما تتناوله بمفردها بعدن انتهائنا أو في غرفتها..ولكن اليوم هي كانت جالسة معنا!!..

كان وجهها بارد وخالي من اي تعابير وكأنها في مكان اخر بعيد عنا..كانت ترفع مرفقيها لترتكز بهما فوق المائدة وتحدق بالكرسي الخالي امامها بعيون حزينة بينما يجهزون الطعام ويحضر الباقين!..

تقدمت بهدوء وتردد من المائدة ولكنها فجأة نظرت الي...التقت عيوننا لتمزج نظرات العتاب والندم معاً..وهي المرة الاولى بعد تلك الايام التي تطيل ديما النظر داخل عيناي مما اجبرني ان اتوقف مكاني فوراً عاجز عن التقدم خطوة.. انقبض وجهها شيئاً فشيئاً واكتست عيناها ب طبق ة لامعة ستتحول لأمطار غزيرة قريبا.. قامت فوراً من كرسيها واتجهت نحو السلم لتصعد لغرفتها..وكانت مجبورة ان تمر من جانبي... وكنت مجبراً على عدم ازاحة بصري من عينيها اللتان اشاحتهما عني ولم تنظر مجدداً... انها لاتريد الجلوس حتى على نفس المائدة معي!!.. ألهذا الحد اصبحت لاتطيقني؟!... تتبعتها بنظري الى ان وصلت الى السلم ووضعت يدها على سوره تريد صعوده فناديتها بهدوء:

- ديما؟!..

توقفت ولم تستدر نحوي فأكملت انا واشعر ان هناك سكاكين داخل صدري تقوم بذبحي ببطء:

- لا داعي ان تذهبي بسببي.. فأنا كنت سأشرب الماء فحسب ولن اتناول الغداء معكم..

ثم تركتها متسمرة في مكانها وخرجت نحو الحديقة...في الحقيقة كنت اتضور جوعاً واردت تناول الطعام بشدة...ولكن لابأس.. المهم ان تجلس حبيبتي لتتناوله بدل ان تحبس نفسها بالغرفة بسببي!!...

وقفت امام المسبح وحدقت فيه بعمق ومن دون تفكير رميت جسدي فيه لأستقر في قاعه.. رغم انه ذات مرة كدت ان اموت بسبب المسبح ولولا علياء لكنت كذلك ولكن هذا لم يمنعني ابدا من تكرار الغطس بمفردي مجدداً!..

تلامست اطرافي مع قاعه ولم اعد اسمع اي شيء من حولي فأغمضت عيناي لترتسم صورة ديما داخل جفوني....ابتسامتها.. ضحكتها... براءتها ..طاعتها... ودموعها! ..دموعها التي تقتلني!!.. تذكرت ذلك الواقع الجميل الذي ظننته حلماً يوم كنت مصاباً بالحمى... تذكرت لمستها اللطيفة فوق خدي...تذكرت عبارتها التي ارجفت لها قلبي!...اخبرتني كم كانت غاضبة عندما ظنت اني ابتسمت ل فتيات لم ادرك حتى انهن بجوارنا!!.. اي احمق يمكنه فهم انها تغار....فكيف لعقلي ان لايستوعب هذا؟.. والان استوعبه....ماالفرق؟!.. هل فعلت شيئاً؟!..لا...بقيت احمق ايضاً...غيرتها كانت واضحة...وبكائها بسبب اخباري لها اني لست معجب بها...وانعزالها الان...كلها امور كان يجب ان تكون واضحة لي...ولكني كنت اعمى!!.. والان عندما استعدت بصري اكتشفت ان آلاوان قد فات..واني قد فقدتها بسبب تصرفاتي!!..

طالبتني رئتاي ببعض الهواء فرفعت جسدي نحو السطح لأمنحه لها..فلااريد ان اعندها لتنتقم مني كالمرة السابقة!!... وصلت الى السطح لأتفاجئ بيوسف جالس على الاريكة التي امام المسبح يرتكز بمرفقيه فوق فخذيه ويحدق بي بابتسامة... خرجت من المسبح وجلست على طرفه ادير ظهري ليوسف كي اخفي عنه ملامح وجهي التعيسة والبائسة.. شعرت بخطواته تتحرك باتجاهي ليجلس بجانبي ويمد قدميه مثلي داخل المياه وربت على كتفي بعطف وهو يقول:

- إذاً ..ألن تخبرني ما بك هذه الايام؟!..

تنهدت بحسرة من دون ان اعلق بشيء فاكمل هو بأسى:

- هل الامر سيء لهذا الحد؟..

ومن دون ارادة مني وجدت دمعة تسقط من جفناي لثاني مرة في حياتي...اول مرة كانت قرب المسبح ايضاً وامام يوسف ايضاً قد أنزلتها ..أظنكم تذكرونها!!..

مسحت دمعتي فوراً وانا ادعك عيناي بقوة كي امحي اثرها ولكنها لن تخفى على يوسف بالتأكيد!!.. يوسف اقرب شخص لي واود حقاً ان افصح له عن النيران التي تحرق روحي فقلت فوراً بألم متناسياً انه اخاها:

- لقد فقدتها!!...

حك يوسف رأسه بابتسامة بالكاد يكتمها ثم مسح على شعري برفق وكأني اخيه الصغير وقال:

- هل تدرك انك تتحدث الى اخاها يا احمق؟..

- انا اسف يا يوسف ..ولكني لم اعد اتحمل بالفعل!..

تنهد مرة اخرى وهو يقول:

- اعلم كم هو الامر صعب...ولو لم ا جرب ه بنفسي فلم اكن سأتفهمك الان ولكنت تشاجرت معك ربما!!..

وهذا كان اكثر ما يعجبني بيوسف...ان فعل شيء فلن يحاسب غيره ان فعل ذاته...فما دام انه احب علياء وهي ابنة عمته فلن يعارض امر ان احب انا ابنة عمي ايضاً حتى وان كانت اخته!!.. فهو لن يحرم غيره من سعادة هو حصل عليها ولن يذيقهم ألم عانى هو منه!!...

سمعته يتمتم بحسرة وهو يفتح شاشة هاتفه ويتذمر قائلًا:

- علياء لم ترد على رسائلي ايضاً منذ ثلاثة ايام!!.

نظرت اليه بأسى ولكنه نظر الي بابتسامة ولم يشأ ان يحملني هماً اخر فربت على كتفي برفق وهو يقول:

- لاتقلق...لاتزال لديك فرصة..ولكن استغل فرصتك بحكمة ياسامي... فأن اعطتك ديما فرصة اخرى فأنا لن اعطيك...لأن ديما تعاني..تعاني بشدة..

التفت اليه بصدمة وقلبي منقبض بشدة فأكمل هو بتألم:

- ماتراه عنها شيء وماتخفيه عنا شيء اخر.. رغم الضعف الذي تراها فيه والحالة المتدهورة ولكنها رغم هذا تدعي التماسك امامنا.. اريدك ان تتخيلها في اللحظة التي تكون فيها بمفردها ليست مجبورة ان تمثل القوة....أيمكنك ان تتخيل كيف تكون؟!...وهذا يؤذيني ياسامي.. بل يقتلني...لايمكنني رؤية اختي الصغيرة بهذا الشكل...انا حذرتك مسبقاً وسأحذرك الان للمرة الاخيرة..اما ان تجد حل لمشكلتكما وأما ان تتركها... لاتجعلها تعش على امل لاوجود له!..

ثم تركني وسط عذابي ورحل...مايقوله يوسف صحيح ..بغض النظر عم كم هو مؤلم... ولكنها الحقيقة..انا أؤذيها فحسب... لذلك علي ايجاد حل لكل هذا.. ان لم اجرؤ على مصارحتها فلايمكنني ان ابقى حاجزاً في طريقها امنعها من المضي قدما!..

عزلت نفسي في الغرفة طوال اليوم لا اعرف ماذا افعل؟ ..حل المساء وانا على الوضع ذاته الى ان اخبرني يوسف ان السيد مراد صاحب احدى الشركات التي نتعاقد معها قد دعانا انا وهو لعشاء عمل في احدى المطاعم.. ورغم عدم رغبتي بالذهاب ولكن لا يمكنني معارضة الامر وترك كل شيء على عاتق يوسف ..فهو قد تحمل الكثير من اجلي في ال فترة الاخيرة..

غيرت ملابس ي ووقفت عند نهاية السلم في الطابق السفلي انتظر نزول يوسف وانا اضع يداي بجيوبي واحدق في الارض مفكراً...ليس بالعمل.. وليس بموعد نزول يوسف...انما بحبيبتي فقط!!...

انتشلني من عالمي صوت كعب يضرب فوق درجات السلم المرمر.. رفعت رأسي بعدم اهتمام بادئ الامر.. ولكن عيناي توسعت بدهشة لتحمل كل اهتمام العالم.. كانت ديما!!...حبيبتي الجميلة قد عاد لها اشراقها قليلًا من جديد... كانت ترتدي فستان ذهبي يكون قصيراً بعض الشيء من الامام و طويل ًا من الخلف يغطي كل ساقيها... لون ه يتناسب تماماً مع لون شعره ا الذي كانت ترفعه كله باتجاه الاعلى وتثبته بمشبك ماسي بدت فيه كالأميرات.. لون حذائها الابيض متناسق مع لون حقيبتها اليدوية الصغيرة التي تمسكها بإحدى يديها وبالأخرى تمسك سور السلم لتنزل منه برشاقة كملكة قادمة من عالم الاساطير!!..

وصلت الي وتوقفت وهي تحدق بي وانا احدق اليها بذلك الذهول....نظرت نحو فستان ها...نحو شعره ا.. نحو عينيها...لم استطع النطق بحرف...انها في غاية ال جمال والروعة!!... تنحنحت لأضيف بعض التماسك لصوتي المرتبك وانا اسألها بهدوء:

- أأنتِ ذاهبة لمكان ما؟..

بقيت تحدق داخل عيناي بجمود من دون ان تجيبني فشعرت ببعض خيبة الامل وانا اتنهد بضيق واشيح وجهي جانباً عندما اجتاحني اليأس من انها ستتجاهلني ولن تجيبني...كما كنت افعل معها تماماً.. تريد ان تسقيني من الكأس ذاته لأشعر بما كانت تشعر به!!..

- سأرافقكما نحو العشاء.. اخي طلب ذلك مني..

التفت اليها بتفاجئ وهي تجيبني بذات الهدوء والنبرة المنخفضة ولكن مع المحافظة على تعابير الوجه المتجهمة والجامدة.. حسناً.. في اوقات اخرى كنت سأصرخ بوجهها فوراً مانعاً اياها من حضور عشاء لن يحضره سوى الرجال ولكني حاولت قدر المستطاع ان ابقى هادئاً ولا اجعلها تغضب مني لتعاندني وتتجاهل كلامي.. فقلت:

- ترافقينا؟...انا ويوسف؟...أ.. ألا ترين انكِ ستشعرين بالضجر هناك؟ ..أعني ..نحن رجال فقط..

رفعت حاجبها بحدة وهي تقول بنبرة ذات معنى:

- وما المشكلة؟ ..انا عديمة الاخلاق فلن يشكل هذا الامر فرق بالنسبة لي!!.. سيسعدني تواجدي هناك!!..

فهتفت بها بغيظ دون ان اتمالك اعصابي حينها:

- ديما!!..

عند هذه اللحظة انضم الينا صوت اخر .. كان صوت يوسف:

- اتمنى ان اترككما فقط لعشر دقائق معاً دون ان اعود لأجدكما تحاولان قتل بعضكما الاخر!..
تجاهلت تعليقه الساخر وانا التفت اليه واشير باتجاهها واقول:

- ما الذي ستفعله هي هناك؟.. انه اجتماع عمل يخص الرجال فقط..

نزل يوسف من السلم وهو يرتدي ساعته ويقول:

- السيدة نادية زوجة السيد مراد هناك ايضاً وفكرت انها ستقضي بعض الوقت معها بدل حبسها لنفسها داخل الغرفة طوال الوقت..

نزل يوسف من السلم واخترقنا متجه نحو الباب وانا وديما نحدق ببعض ..ألم يكن بمقدورها اخباري بذلك بدل ان تثير غضبي بكلماتها تلك؟ ..نظرت الي نظرة جانبية مستاءة وباردة قبل ان تتبع يوسف ثم اتبعها انا..

ركبنا سيارتي وانطلقنا باتجاه المطعم وانا ارفع بصري بين ثانية واخرى لأراها من خلال المرآة.. لأرى تلك العيون الحزينة التي لم تف ارق النافذة للحظة وهي تراقب الطريق بصمت مطبق دون ان تنطق حرفاً واحدا!.. يكفي عذاب يا ديما...انا اتوسل اليكِ.. ألا يمكنك ان تدركي كم يقتلني هذا؟!..

وصلنا الى المطعم ليزداد الامر سوءاً...لو كان السيد مراد وزوجته فحسب لن يكون هناك مشكلة.. ولكن ما اثار حنقي ان مستشار السيد مراد السيد احمد موجود ايضاً.. وهو شاب كثير الكلام واجتماعي اكثر من اللازم!..

القينا التحية وجلسنا حول الطاولة وجلست ديما امامي لحسن الحظ ونادية بجانبها واحمد بجانب نادية ..حسناً جيد...بإمكاني رؤيته وان تجرأ ورم قها ولو حتى بنظرة اعجاب خاطفة سأقوم لأقتلع عينيه من مكانهما.. يكفيني ما بي من غضب.. لست محتاج اليه ليزيد الامر سوءاً!..

بدأ حديثنا عن العمل بادئ الامر ونادية وديما تتحدثان مع بعضهما وانا اشعر براحة غريبة تغزوني كلما نظرت اليها لأجد ال دماء قد عادت لوجهها الشاحب مجدداً ..وتلك الابتسامة التي كانت تكتمها طوال عشرة ايام قد زينت ثغرها مرة اخرى!...

توقف الحديث عن العمل لننتقل لأحاديث عابرة...وكانت السيدة نادية هي من بدأت ذلك عندما اطلقت سؤالًا لديما حول دراستها:

- في اي اختصاص تدرسين عزيزتي؟..

اجابتها ديما بابتسامتها اللطيفة التي تنعش روحي:

- هندسة الديكور سيدتي..

ليعلق احمد ممازحاً:

- واخيراً وجدنا احد افراد اسرة ياسين يدرس غير اختصاص ادارة الاعمال!..

لتبادله ديما ضحكة لطيفة كتمتها فور وقوع بصرها داخل عيناي الجاحظتين باتجاهها بغضب واكتفت ان تمنحه ابتسامة بسيطة وهي تجيبه:

- انا اعشق التصاميم ولست مولعة بالعمل والصفقات كالأخرين..

وفجأة وجدت اهتمام مفاجئ من احمد بمجال اختصاص ديما وهو يسألها:

- وهل انتِ بارعة في هذا المجال؟..

- حسب رأي اساتذتي فأنا كذلك.. فلطالما احتلت تصاميمي المرتبة الاولى في المسابقات..

- كم هذا مذهل!...انت لا زلتي
تدرسين ..صحيح؟!..

- اجل انا كذلك..

- وهل بإمكانك ان تصممي شيئاً خارج الجامعة ام انك محدودة بأمور الدراسة فحسب؟..

- بالعكس تماماً.. الاشياء التي صممتها خارج الجامعة اكثر من الاشياء التي صممتها بداخلها... حتى ان اغلب الحفلات التي تنظمها اسرتي انا من اقوم بتصميم ديكور المكان فيها..

واستمرت اسئلة من احمد واجوبة من ديما لمدة عشر دقائق وعيناي تنتقل فيما بينهما وانا اكاد احترق واحرقهما معي !!... واخيراً تم ختم هذا الحديث المستفز بذهاب ديما ونادية نحو شرفة المطعم ليتحدثا هناك ونحن الرجال نقف مع بعضنا نضع اللمسات الاخيرة على اتفاقنا قبل الرحيل...ولكني لم اشعر بالراحة لفترة طويلة فسرعان ما دخلت نادية من الشرفة تاركة ديما بمفردها لتنضم الينا فأنتهز احمد الفرصة كي يخرج نحو ديما!...

لم استطع التركيز بما يدور حولي من حديث ولم تبتعد عيناي عن اولئك الاثنين اللذان يقفان خلف زجاج الشرفة يتحدثان حول شيء ما ويبتسمان...عصرت يدي بقوة تكاد كل خلية فيها تنفجر من شدة غضبي.. واخيراً فاق الامر حده وانا اشاهد ديما واحمد يخرجان هواتفهما ليتبادلا ارق ام بعضهما الاخر....وهنا كانت شرارة جنوني الاولى التي انطلقت وانا امر من بين يوسف ومراد الواقفان بجانبي كسرعة البرق لأدخل نحو الشرفة وافتح بابها بعنف ليصل نحو مسامعي جملة ديما الاخيرة لأحمد وهي
تقول:

- حسناً إذاً سنبقى على اتصال لنحدد الموعد..

ليجيبها احمد بابتسامة:

- حسناً ..الى اللقاء الان..

من الجيد ان احمد استغل فرصة صدمة عقلي وعدم قدرتي على تحريك جزء واحد من جسدي ليخرج من الشرفة تاركا اًياي وحدي مع ديما التي ستقع ضحية غضبي كالمعتاد...فجأة تنشطت جميع حواسي وانا استمع لانغلاق باب الشرفة مجدداً من خلف احمد فتقدمت بخطوات سريعة اكاد ازلزل الارض من تحتي لتتراجع ديما بارتباك بضع خطوات نحو الوراء خوفاً من منظري الثائر.. ولكني لم اسمح لها بالابتعاد اكثر وسحبتها من يدها بعنف لأطبق على مرفقها بقسوة ولا اجعلها تفلت من بين يدي وانا اقول بغضب تكاد كل شرايين رقبتي تتفجر من شدة عصبيتي:

- بصفته ماذا بالضبط تمنحيه رقمكِ وتحددين معه موعد؟!..

قالت بتلكؤ وهي تنظر الي بخوف وتوتر لم تتمكن من جمع حروفها بالشكل الصحيح:

- أ.. ك كنت فقط..

وقطعت جملتها لأهزها من يدها بعنف وانا اقول بحدة:

- انت فقط ماذا ايتها "الانسة المحترمة"؟!.. أترككِ للحظات لأجدكِ تهبين رقمك لشاب بالكاد عرفته قبل دقائق؟ وِالمصيبة الاكبر اجدكم قد حددتم موعداً مع بعضكم؟!...ومن يعلم قد اجدك ايضاً وهبتي رقمكِ لنصف شباب الجامعة وخرجتي بمواعيد معهم!!..

عند هذه الجملة انتفضت ديما مع انتفاضة دموعها واتقبض وجهها بسخط وهي تدفعني من صدري بقوة وتهتف بي:

- هذا يكفي! ..التزم حدودك معي واخرج من حياتي يا سامي فانا لم اعد اطيقك ولا اطيق شكك بي!!...

ثم تركتني وخرجت بخطوات غاضبة من الشرفة ولكنها لم تتجه حيث يقف اخيها بل اتخذت الاتجاه الثاني لتخرج من باب المطعم تسير في الشارع باتجاه الطريق العام تريد قدر المستطاع ان تبتعد فخرجت خلفها مسرعاً وسرنا وحدنا في الشارع الخالي احاول الوصول اليها وانا اهتف به بعصبية:

- ماذا؟...هل ستستقلين سيارة اجرة وحدك؟.. لا تنسي ان تهبيه رقم هاتفك ايضاً!..

عندها توقفت والتفتت نحوي بغضب وهي تعود خطوات الي لتدفعني من صدري بقوة وتصرخ بي بأعلى صوتها بانهيار ودموعها تتساقط بجنون من عينيها...ومن الجيد ان الشارع كان خالي تماماً من المارة وقد ابتعدنا مسافة عن المطعم:

- توقف عن هذا الجنون يا سامي لقد تعبت حقاً ولم اعد اتحمل!.. انت كاللعنة في حياتي التي لا يمكنني التخلص منها ابدا!.. لما لا تبتعد عني فقط؟.. لما لا تتركني؟ ..لما انت مستمتع بتعذيبي بهذا الشكل؟ ..ألا ترى الى اي حال وصلت بسببك ايها المجنون اللعين؟...انت لا تفعل شيء سوى تحويل حياتي من السيء الى الاسوأ....انا اكرهك واكرهك بشدة هل تفهمني؟...لما لا تتجاهلني فحسب؟...لما لا تنسى وجودي؟.. ألم تخبرني انك ستتجاهلني فلما لا تفعل ذلك؟..

وعند هذه اللحظة كان دوري لأفقد اعصابي وتدافعت الكلمات بجنون من داخل فمي وكأنها كانت تنتظر بشوق لسنين طويلة كي تخرج الى النور وتخمد كل النيران التي اشعلتها بي.. فصرخت بها وانا اقبض على يدها بقوة:

- لأنه لا يمكنني ذلك!..

- لا يمكنك ماذا ؟!..

- لا يمكنني تجاهلك...لا يمكنني عدم رؤيتك!!... كلما حاولت اخراجك من عقلي اجدكِ تقتحميه مرة اخرى... انا اكرهك لأني لا استطيع نسيانك ..لأنه لا يمكنني ان اتغاضى عن ملابسك كما اتغاضى عن ملابس الاخريات...لا يمكنني منع نفسي من الاحتراق وانا اشاهدك تضحيكن مع ذلك اللعين حمزة...لأنك تستمرين بأضعافي اكثر في الوقت الذي اقسمت فيه اني لن اقع فيه بحب فتاة ولن اضعف امام اي فتاة...ولكنك تجعليني افقد عقلي كلما رأيتك.....انت موجودة في كل مكان حولي ولا يمكنني تجاهلك...اجبرتني ان احبك بهذا الجنون....اجبرتني ان اغار بهذا الجنون...فأن كنتِ تكرهيني فلابأس.. فأنا ايضاً اكره نفسي بسبب هذا الضعف اللعين الذي يحصل لي بسببكِ..... لأني وببساطة واقع بغرامك بأكثر ما املك من قوة... لأني لا يمكنني تحمل فكرة ان تبتسمي ل رجل غيري او تهتمي بأحد غيري او حتى تنظري لغيري....احبكِ بهذا القدر من الانانية لدرجة اني لا اريدك حتى ان تري اي شخص غيري في هذا العالم...اريدك ان تريني انا فحسب مثلما انا لا ارى سواكِ..... هل عرفتي الان لماذا لا يمكنني ان ارحمك من هذا العذاب واتجاهلكِ؟.. لأني ذاتاً اعيش داخل جحيم بسبب حبكِ اللعين!!..

توقفت عن الكلام وانا اتنفس بصعوبة وكأني كنت اخوض سباق ركض طويل...حدقت بعينيها المذهولتين واستوعبت فقط في تلك اللحظة الغباء الذي تفوهت به...لا اعرف كيف تدافعت هذه الكلمات السجينة بهذه الطريقة وبهذا الوقت!!..ولكن من الجيد انها فعلت...فبعد سنين طويلة الان فقط اشعر اني تنفست بالفعل!.. وكأنها كانت جبلًا جليدي ضخم تضيق لي صدري وتمنع الهواء عني...توقفت عن الكلام فوراً واشحت ببصري جانباً وانا ابعد يدي عنها وعدت خطوة للوراء اريد الابتعاد قدر الامكان عنها في هذه اللحظة.. ولكنها لم تسمح لي!!..

تقدمت هي الخطوة التي ابتعدتها انا وامسكت هذه المرة هي بيدي ..ولكنها امسكتها برفق وليس بقسوة كما امسكت انا يدها!!.. رفعت كف يدها الاخرى وبسطته بلطف فوق خدي لتدير وجهي نحوها وهي تقول لي بابتسامة عاشقة من وسط دموعها التي تحولت لدموع سعادة فوراً:

- بخصوص احمد....انه...لقد اراد ان ينضم حفلة مفاجأة من اجل خطيبته بمناسبة عيد ميلاها.. وطلب مني تصميمها من اجله.. لذلك وافقت.. واخذت رقم هاتفه كي اتفق معه على مكان القاعة التي سأنظمها من اجله.. واخبرته انني سأتصل به لأحدد معه الموعد وكنت اعني بذلك موعد الحفلة...

حركت عيناي داخل عينيها بذهول وهي تكمل بهمس وابتسامة اوسع:

- واما بخصوص حمزة ايها المجنون فأنا اعترف ان صداقتنا قوية جداً.. ولكننا صديقان فحسب.. فمالا تعرفه ان حمزة يملك حبيبة من الاساس واغلب المرات التي كنت اقضيها برفقته في الخارج كانت تنضم الينا حبيبته نرمين لأنها كانت تخجل الخروج وحدها برفقته لذلك كان يطلب مني مرافقته...حتى انها حضرت الحفلة الاخيرة التي اقمناها في المنزل...لهذا السبب طلب حمزة ان اخرج معه للحديقة.. لأنها كانت قد وصلت لتوها واراد مني ان استقبلها معه قبل ان ينعزلا وحدهما بعيداً عن اعينكم فهي تخجل من اللقاء بأحد في الوقت الحالي قبل ان يصبح الامر رسم ياً!!...

لم استطع ان اعلق بأي شيء على كلامها وانا اشعر بمدى العذاب الذي سببته لها وكيف كنت اتهمها بعديمة الاخلاق في الوقت الذي لم ترتكب هي فيه اي خطأ...لكن لو اخبرتني.. لو وضحت لي....لا....لو اخبرتها انا ووضحت لها كل شيء لاعترفت هي بكل ما اعترفت به الان ولأرتاح كلينا من هذا العذاب طوال تلك السنوات!!....كم كنت احمقاً وساذجاً بالفعل!!..

وضعت يدي فوق يدها التي تستكين فوق خدي وضغطتها على خدي اكثر وانا اقول بهمس نادم:

- أ.. أنا أسف!..

اومأت برأسها فوراً بالنفي وهي تقول لي:

- لاتكن كذلك....لاتكن ابداً!...انت لا تعرف كم انتظرت كي تقول لي هذا الكلام.. كم سهرت ليالي وليالي يهجرني النوم وانا افكر هل تحبني ام لا؟...لا تعلم كم قتلتني عندما اخبرتني في الحفلة انك لست معجب بي..... انت لا تعرف ما انت بالنسبة لي يا سامي!!..

فضيقت عيناي بمكر وانا اقول ممازحاً لأغيظها:

- ألم تقولي لتوكِ انكِ تكرهيني وتكرهيني بشدة؟!..

فسحبت يدها من فوق خدي فوراً وهي تهتف بي وبالكاد تكتم ضحكتها:

- أتعلم شيء؟.. انا لازلت كذلك.. انسى ما قلته لك..

وتحركت خطوة تريد تركي ولكني سحبتها بضحكة باتجاهي مرة اخرى وانا اقول لها:

- حسناً حسناً انا اسف...اسحب كلامي!!..

- بالطبع ستفعل!..

- أأنتِ واثقة؟...هل اسحب كل كلامي؟..

حدقت في عيناي قليلًا وعندما فهمت مقصدي تبسمت بخجل وهي تقول لي:

- حسناً...ليس كل كلامك!..

سكت لثواني وانا احدق بتلك العيون الفيروزية التي عادت لتمتلئ بالبريق مجدداً بعد ايام من الذ بول والحزن وقلت لها من دون وعي:

- انت ملكي انا فقط...هل فهمتِ ؟!..

تبسمت بحنان هي تومئ لي موافقة يخونها خجلها من ان تتكلم وتعلق بشيء!!...اليوم...هو اسعد ايام حياتي!!.. اليوم انا سأتنفس الهواء براحة دون ان يدخل صدري ويحرق لي اوراق مبعثرة اتركها وحيدة تحمل كلاما اًخشى ان انطقه!!...فمن الان وصاعداً انا لن اكتم كلمة...بل لن اكتم حرفاً. .سأفصح عن كل ما اريد الافصاح عنه !!..

عدنا نسير باتجاه المطعم لنجد يوسف يقف وحيداً عند بابه ويخرج هاتفه.. انا متيقن انه يكاد يتصل بي لولا ان رآنا...اول ما وصلنا اليه قال:

- اين كنتم بحق السماء؟!..انا انتظركما منذ ساعة..

كلانا تلعثمنا ونطقنا حروف مبعثرة ولكنه استوقفنا فوراً وهو يقول بنفاذ صبر:

- حسناً لا يهم! ..دعونا نعود فأنا اشعر بتعب شديد!..

حسناً.. من الجيد انه لم يدعنا نعلق بشيء!!.. ركبنا السيارة وانطلقنا بها نحو المنزل.. ومثلما اتينا فأني انظر بين ثانية واخرى في المرآة لأرى وجه عزيزتي...ولكن هذه المرة الابتسامة لا تفارق شفتيها وهي تراقب الطريق من النافذة المجاورة لها!!...
وفجأة اخترق هدوئنا صوت رنين هاتف يوسف فأخرجه من جيبه ليجيب بابتسامة:

- اهلًا عمتي.. كيف حالك؟..

من ابتسامته هذه استطيع ان اتيقن انه يتحدث للعمة سمية ..لحظات حتى اختفت ابتسامته وانقبض وجهه وهو يقول بقلق:

- هل حصل شيء؟!..

وفجأة عدل جلسته وهتف بفزع:

- ما بها علياء؟.......حسناً انا قادم..

اول ما اغلق هاتفه سألته بقلق:

  - أهناك شيء يا يوسف؟..

فأجابني بارتباك:

- لا اعلم بعد....غير الطريق وخذنا باتجاه المزرعة!..

نظرت نحو ساعتي بقلق وقلت:

- ولكن الوقت متأخر جداً يا يوسف وقد لا يكون جيداً القيادة في طريق المزرعة الطويل في هذا الوقت من الليل.. ألا يمكن تأجيل الامر الى الصباح؟!..

فقال بنفاذ صبر وعصبية لا تتناسب مع جملتي البسيطة:

- لا.. لا يمكن ذلك!!..وان لم تشأ الذهاب فأعدني الى المنزل وسأستقل سيارتي واذهب بمفردي..

قلت له بعتاب:

- اهدأ يا يوسف ما الذي قلته انا الان؟.. وما هذا الكلام السخيف؟ كيف سأتركك بمفردك؟ هل سأخاف على نفسي ولن اخاف عليك؟.. ولكن دعنا نوصل ديما في البداية ثم سنذهب..

وفوراً هتفت بي تلك العنيدة من المقعد الخلفي:

-لا!...انا سأذهب معكما..

فنظرت لها بحدة من خلال المرآة وانا اقول:

- تذهبين معنا الى اين؟ هل نحن ذاهبين في رحلة؟.. الطريق طويل ومظلم..

- ولكنكما معي ولست ذاهبة بمفردي لتعترض..

- لمرة واحدة في حياتك ِ اتمنى ان لا تعاندي..

وفجأة صرخ بنا يوسف بعصبية:

- كفا عن شجاركما هذا!!...دعها تأتي يا سامي ولننتهي من الامر.. فلا اريد التأخر اكثر بتوصيلها نحو المنزل ومن ثم الانطلاق نحو المزرعة!..

سكت وانا انظر لها بغيظ من خلال المرآة وامنحها نظرات التهديد والتوعد التي تعرفها جيداً وعدت لمراقبة الطريق بعدها دون ان انطق شيء اخر ولاسيما وانا ارى يوسف بحالة التوتر والقلق هذه!!...

بعد ساعة تقريباً وصلنا نحو المزرعة واول ما اوقفت السيارة عند باب المنزل الداخلي فتح يوسف بابه ونزل مسرعاً لًيدخل.. نزلت من السيارة واول ما نزلت ديما امسكتها من مرفقها بقوة وانا اقول:

- ان عاندتني مرة اخرى في امور كهذه فسأكسر لكِ عظامك..

فسحبت يدها مني بعنف وهي تقول:

- بل سأعاندك!!...انت الذي قلت ان طريق المزرعة خطر في الليل.. افرض انك تعرضت لحادث؟..

فهتفت بها فوراً:

- اجل افرضي ذلك! ..ماذا سيفعل وجودك معنا؟ ..تمنعين الحادث مثلًا؟..

فأجابتني بعفوية:

- لا...سأتعرض له معك ولن تتعرض له بمفردك وتتركني!..

ومن دون ارادة مني وجدت ابتسامة عاشقة تحتل وجهي وانا اتمتم بهمس:

- هل انت بلهاء؟!..

فأجابتني بخجل:

- معك؟.. انا كذلك بالفعل!....

ثم تقدمتني خطوات باتجاه المنزل وهي تقول:

- دعنا ندخل لنرى ما يحصل!!..

******************************

 (يوسف)

دخلت الى المنزل وكل شيء بداخلي ينبض بجنون!...كيف سأحافظ على عقلي وانا اسمع بكاء عمتي المرعوب تخبرني القدوم بأسرع وقت فعلياء ليست بخير على الاطلاق؟!..

دخلت مسرعاً لأجد عمتي تجلس في الصالة بمفردها تجهش ببكاء مرير فركضت اليها فوراً وانا اقول بأنفاس متقطعة بالكاد اخرجت منها حروفي:

- ماذا حصل؟.. أين علياء؟.. ما بها؟..

قامت من مكانها وقد تورمت عيناها من كثرة البكاء وذبل وجهها من تلك الدموع الحارقة التي الهبته وقالت لي:

- يوسف!!....يوسف انا افقدها!...

فتحت عيناي بفزع على اوسعها لا استوعب ما تقوله عمتي فأكملت هي بتألم وبكاء:

- علياء تعود لحالتها القديمة يا يوسف... ما ان يلمسها احدهم حتل تشرع بصراخ وبكاء هيستيري ..حتى انا ترفض ان المسها.. هي تحبس نفسها في الغرفة منذ ثلاثة ايام دون ان تأكل اي شيء بل ودون ان تتحرك عن مكانها!!..

فصرخت بوجهها بغضب:

- ثلاثة ايام؟!!...ولم يخبرني احدكم؟..

- ظننتها احدى حالاتها المعتادة...لطالما كانت تمر عليها ايام تعزل نفسها عنا فجأة وترفض ان تتواصل مع احدنا.. لم اظن ان الامر سيتطور هكذا!...انها ليست بخير!.. ليست بخير على الاطلاق!..

ثم احاطت رأسها بقوة وهي تبكي بشكل اقوى وقالت:

- وجسدها!!...عليك ان ترى جسدها يا يوسف!!...لذلك كانت ترتدي الاكمام الطويلة دائماً.. لذلك كانت ترفض ان احممها وهي صغيرة!..

ثم نظرت نحوي وهي تكاد تفقد عقلها وجسدها كله منتفض وصوتها مرتجف ومبحوح وهي تكمل:

- وبطنها!...يا اللهي بطنها!....هناك جرح طويل يمتد علل طول بطنها قد تم تقطيبه منذ سنين... انها عملية يا يوسف.. ولكن عملية ماذا؟.. ومتى؟.. انا لم افارقها ليوم واحد متى اجرت عملية كهذه؟.. بل واي عملية تستوجب فتح البطن بهذا الشكل؟!...
كان عدد هائل من المعلومات التي لا يستطيع عقلي استيعابها وتخزينها!!... كل هذه الاشياء تحصل لحبيبتي ولا اعلم؟.. أهذا ما يعرفه فؤاد ولا اعرفه انا؟..

وقبل ان اعلق بأي شيء على حديث عمتي او ان اترك لها فرصة كي تشرح اكثر تركتها وصعدت راكضاً نحو غرفتها.. ما ان اضع قدمي على سلمة حتى ارفعها للأخرى او ان اعبر سلمتين في وقت واحد واقدامي بالكاد تلامس الارض.. بل اكاد اطير من فرط سرعتي ورغبتي في الوصول لغرفتها من شدة خوفي وقلقي عليها!!...
طرقت بابها برفق كي لا افزعها وانا اقول من وسط انفاسي اللاهثة من شدة التعب:

- حبيبتي؟.. أيمكنني الدخول؟!..

فلم اجد اجابة...ولم انتظر وقت اطول!.. فتحت الباب ودخلت لأجد الغرفة تغرق داخل ظلام عميق...لمحت جسداً ضئيلًا قرب النافذة المفتوحة والتي يتلاعب الهواء بستائرها وذلك الجسد يتحرك للأمام وللخلف بحركة هيستيرية ضاماً ركبتيه الى صدره....علياء؟!!...

تلمست الجدار الى ان وصلت يدي لزر الاضاءة لأفتح النور وافتح عيناي بفزع وانا اقترب خطوات مرعوبة من حبيبتي... كانت تبدو بحالة مزرية...شعرها مفتوح من دون ترتيب وصوت أنينها يجعل قلبي ينقبض اكثر...اقتربت منها فلم تبدي اي ردة فعل.. جلست امامها ولكن عيونها تائهة بعالم اخر ولم تحدق بداخل عيناي مباشرٍة...مددت يداي وتلمست خدها برفق فلم تبدي اي ردة فعل ايضاً وبقيت على انينها ودموعها الصامتة مثلها...يا اللهي!!... ما الذي يحصل لحبيبتي؟.. يا رب ارجوك.. اختبرني بكل شيء.. اعطني من البلاء ما ترضى.. ولكن لا تختبر صبري بحبيبتي...فهنا انا لن اكون من "الصابرين" ابداً!...

ومن دون ارادة مني وقعت دمعة ضعيفة من بين جفناي وانا انطق اسمها بهمس:

- عليائي؟!!..

عندها فزعت علياء برعب كمن ايقظوه من كابوس مخيف والتقت ابصارنا فوراً وكأنها للتو ادركت وجودي.. وما ان رأتني حتى تقوست شفتاها ببؤس نحو الاسفل وارتمت فورا لًتعانقني بقوة وكأنها تود ان تختبئ من شيء مخيف يتبعها وشرعت بصراخ وبكاء لم اراها تبكيه طوال حياتي لدرجة كدت بالفعل ان افقد عقلي وضممتها الي بقوة اكبر وانا اشرع ببكاء مرير معها دون ان افهم اي شيء!!..

ازداد بكائي اكثر وانا انزل ابصاري نحو جسدها لأرى ترك الجروح والحروق الذي تملأه وهي ترتدي فانيلا من دون اكمام لأول مرة...لأشاهد ذلك العذاب الذي يملأ جسدها لأول مرة!!... هذا ما كانت تخفيه طوالسنين عنا!!...هذا جزء مما تعرضت له في السجن...فبالتأكيد بعض الجروح قد اختفت ندوبها على مر السنين ولم يتبقى سوى العظيمة منها!!..... كيف امكنهم فعل ذلك لطفلة في الخامسة فقط؟...بل وما الذي حصل هناك بالضبط؟.. هي لم تتحدث عن هذا ابداً...وما الذي حصل الان؟...اكاد اجن من شدة التفكير!..

ضممتها الي بقوة اكبر وانا ابكي احاول ان افعل اي شيء فقط كي امحي عذاب روحها...ولكني عاجز.. يتملكني شعور العجز عن حمايتها لثاني مرة في حياتي!... قبلت بقرار ابعادي عنها فقط كي احميها.. فقط كي لا اشعر بذلك الاحساس الذي تملكني يوم حرقوا لها يدها...يوم شاهدت استغاثتها بي وليس بيدي شيء لأفعله....ظننته الخيار الافضل لحمياتها...لم اظن ان الامور ستصبح اسوأ الان!!...

بعد بكاء وصراخ استمر لعشر دقائق من علياء حاولت برفق ابعاد وجهها عن كتفي لأتمكن من رؤيتها والتحدث اليها ولكن ما ان ابعدتها قليلًا حتى عادت لتتمسك بي اكثر تخاف ان تبتعد ..لتشعل روحي بنار العذاب مجدداً!..

مسحت على شعرها برفق وانا اهمس لها:

- اهدأي صغيرتي!!..انا معكِ ولن اترككِ مجدداً.. لن اترككِ ابداً اًقسم لكِ..

ابعدت نفسها قليلًا واشارت لي بارتجاف:

- (اخرجني من هنا يا يوسف.. اخرجني انا اتوسل اليك...سيجعلهم يأتون من اجلي... سيخبرهم عني كما اخبرهم عن ابي وامي)..

احطت وجهها فوراً وانا اقول بحزم:

- عمن تتحدثين حبيبتي؟.. من هو الذي سيخبرهم؟ يخبر من؟...

- (لا اريد البقاء هنا.. ارجوك..)

مسحت دموعها بإبهامي وانا اقول:

- أتودين مرافقتي الى منزلنا حبيبتي؟..

- (خذني الى اي مكان.. فقط ابعدني عن الناس.. جميعهم يؤذوني...جميعهم يكرهوني لأني ابنته..)..

احطت وجهها بقوة لأقول:

- لا...انا لا اكرهكِ.. انا احبكِ.. واحبك بجنون لا يحمل بداخله اي منطق او عقل...اعشقك لدرجة سأفعل اي شيء فقط لترسمي ابتسامة بسيطة على وجهك.. ألا يغنيكِ حبي عن العالم كما يكفيني حبكِ عن كل شخص؟!..

اطرقت رأسها وعادت لتعانقني مرة اخرى تكمل دموعها داخل صدري تريدني ان اشاركها عذابها ليخف عنها الالم...فلم ابخل عليها بذلك.. ولم ابتعد عنها ألا بعد ان هدأت قليلًا!!..

تركت عليائي وخرجت من الغرفة تتبعني شياطين غضبي اكاد احرق المنزل ومن فيه وأنتشل منه حبيبتي فقط!.. هتفت بأسم ديما وانا انزل السلم فقامت من مكانها فوراً وهي تقول:

- اجل اخي؟..

وصلت اليها وانا اقو بنبرة آمرة لا يوجد فيها اي مجال للنقاش:

- اصعدي لتحضري لعلياء الملابس التي تحتاجها...سوف ترافقنا..

صعدت ديما من فورها بينما قامت عمتي سمية من مكانها وقالت لي باستنكار:

- ترافقكم الى اين؟...هذا مستحيل...لن يوافق جدك على خروجها من المزرعة من دونه!..

التفت اليها بحدة وانا اقول بإصرار:

- وانا لن اتركها بحالة كهذه هنا!..

وفجأة كسر الاجواء صوت اخرسنا جميعاً:

- اراك قد قررت مسبقاً من دون ان تجد الحاجة لتأخذ رأي..

التفتنا جميعاً نحو باب الدخول حيث جدي هناك قد وصل لتوه مع عمي كمال.. دخل وسط الصمت الذي طغى لا يكسره شيء سوى صوت عكازه فوق الارضية المرمر.. وصل الينا ومنح كل واحد منهم نظرة فارغة لا تحمل اي معنى ثم وصل اخيراً بأنظاره نحوي فمنحني نظرة حادة وقال بهدوء مغلف باستياء:

- لازلت اتنفس يا يوسف.. لم يحن الوقت بعد لتتولى ادارة العائلة من دون الرجوع الي..

التفت اليه وانا اقطب حاجباي بغضب وقلت بنبرة حاولت قدر الامكان ان ابقيها هادئة امام جدي ولكني لم استطع ان ارى علياء بهذا الحال وابقى هادئاً من دون انفعال.. فقلت بنبرة جافة نوعاً ما:

- عفواً جدي.. ولكن مصلحة علياء اهم حالياً فيمن يتخذ القرار بشأن العائلة...انا لا انوي فرض سيطرتي او اوامري على احد.. ولكن علياء شيء اخر.. انا مستعد ان افعل المستحيل واعارض كل القوانين من اجل الحفاظ عليها..

- وهل بنظرك نحن قد فشلنا في الحفاظ عليها؟..

ثم لكزني بعكازه بكتفي وصاح بي بانفعال:

- طوال سنين انا حفظتها منكم.. ابعدتها عنكم لأحميها.. طوال سنين ما الذي تعرفه عنها؟ انت رحلت وانا من اعتنيت بها وحميتها.. وتأتي الان لتقول اننا لم نحافظ عليها وانت اشد حرصا عليها منا ؟!..

- انا لم ارحل.. انت من ابعدتني معهم جبراً.. لم اكن استحق هذا العقاب بأن تنفيني عنها من اجل ذنب ارتكبه غيري...لذلك لا يمكنك اتهامي بأنك حميتها مني يا جدي ..انت ابعدتني عنها في الوقت الذي كانت تحتاجيني فيه قربها...هل رأيت الحالة التي هي فيها؟.. انها شبه حية.. وهذا بسبب من؟.. على من ستلقي اللوم هذه المرة بعد ان ابعدت الجميع عن القصر ولم يبقى سواكم.. أيمكنك ان تخبرني من اعادها لحالتها القديمة؟.. أترى الانهيار الذي هي فيه أيمكنك اخباري من هو سببه؟..

صمت جدي دون ان ينطق بحرف واحد وهو يحدق بذهول وغضب مكتوم بي فواصلت حديثي عندما لم اجد اي تعليق:

- انت لا يمكنك ان تجيبني لأنك لا تعرف من الاساس... طوال ثلاثة ايام ممتنعة عن الاكل والشرب وانتم ماذا فعلتم لها غير ان تبكوا لحالها؟.. من منكم استطاع فهمها...لنفرض ان العمة سمية لم تكن ستتصل بي فألى متى كنتم تنوون ابقائها على هذه الحالة وانتم تعلمون ان لا شيء سيفيد معها حتى نقلها للمستشفى او عرضها على الطبيب؟.. أيمكنكم اخباري ماذا كنتم ستفعلون؟.. تشاهدونها وهي تموت ببطء؟؟..وفي النهاية تأتي يا جدي لتخبرني انه ليس من حقي ان اتصرف واساعدها من دون استشارتك.. أهذا كل ما يهمك؟.. أهذا كل ما اغضبك بالموضوع كله؟ من انني اتخذت قرار من دون استشارتك اولاً؟..

سكت جدي لثواني ثم ضيق عينيه بفضول وهو يقول:

- وما رأي علياء بأمر الرحيل؟!..

اجبته بثقة وحزم:

- هي من طلبت مني ذلك!..

اومئ متفهماً وكأنه قد توقع حدوث هذا ثم ومن دون توقع اي احد وجدناه يسكت من دون اي تعليق اخر ويدخل نحو مكتبه مغلقاً بابه خلفه!.. نظرنا بتعجب احدنا نحو الاخر ولكني لم انتظر وقتاً اطول وصعدت مرة اخرى باتجاه الطابق العلوي حيث غرفته اميرتي الصامتة!... اول ما دخلت الى الغرفة اقتربت مني ديما هي تمسك بيدها كنزة صوفية خضراء اللون وقالت:

- اخي...اخشى ان اقترب من علياء فترفض ان المسها او تخاف من اقترابي...فهل بإمكانك جعلها ترتدي هذه الكنزة فوق ملابسها؟.. فالطقس بارد في الخارج وقد ت مرض ..

اخذت الكنزة من يدها واتجهت نحو علياء بينما ديما اخذت حقيبة الملابس ونزلت.. جلست على ركبتاي على الارض حيث كانت تجلس هي ومسحت على خدها برفق وانا اقول:

- هل نذهب اميرتي؟!..

نظرت الي من وسط دموعها واومأت لي موافقة فألبستها الكنزة فوق ملابسها كما طلبت مني ديما وامسكتها من يدها لأساعدها على النهوض وبقيت ممسكاً بها طوال طريق نزولنا وانا اسندها بيد واحوط كتفها باليد الاخرى...وصلنا نهاية السلم حيث يقف عمي كمال وعمتي ولكن علياء لم تتطلع بأي احد فمدت عمتي سمية يدها تريد ان تلمس وجه علياء ولكن علياء تقلصت فوراً وضمت نفسها الي اكثر لا تريد من احد لمسها مما زاد من بكاء عمتي سمية اكثر وهي تقول بنحيب:

- حبيبتي!!...علياء انظري الي...ألا تريدين حتى توديعي قبل ذهابك؟!..

ربت عمي كمال برفق فوق كتفها وهو يقول بأسى:

- اهدأي يا سمية ولنعطيها فرصة لكي ترتاح وتهدأ لبضعة ايام..

فوافقت عمي كمال فوراً وانا اقول:

- العم كمال محق عمتي...دعي هذه الازمة تمر وانا سآتي من اجل اخذكِ اليها كي تريها... دعينا نفهم فقط ما حصل...

اومأت عمتي موافقة رغم دموعها وعادت خطوة نحو الوراء سامحة بمرورنا فاتجهنا نحو السيارة حيث سامي وديما هناك قد وضعا حقيبة علياء في الصندوق ووقفوا بانتظارنا وعندما رأيت مدى تشبث علياء بقميصي ترفض تركي من شدة خوفها لاسيما بعد خروجنا من غرفتها اشرت لديما قائلًا:

- اركبي انت في المقدمة عزيزتي ودعيني اركب بجوار علياء..

- حاضر اخي..

وانطلقنا بالسيارة وعلياء لاتزال تتشبث بقميصي بقوة خائفة من تركه فيبعدها القدر عني مجدداً.. ولكن جسدها بدأ يسترخي قليلًا وانا اشعر بالطمأنينة تنساب خلسة لقلبها المرعوب بعد ان تأكدت من رحيلها معي من دون اعتراض من احد.. وصلنا نحو المدينة فنظرت علياء نحو الشوارع ثم التفتت الي واشارت بقلق:

- (لا اريد الذهاب نحو ذلك المنزل لا اريد ان التقي بالأخرين..)

قلت باستغراب:

- لا تريدين الذهاب الى منزلنا؟!..

ثم حدقنا انا وديما وسامي احدنا بوجه الاخيرة بحيرة لانعرف ما الذي سنفعله وبعدها خطرت شقتي على بالي فوراً وقلت:

- سامي...اوصلنا انا وعلياء نحو شقتي واعد ديما نحو المنزل كي تحضر ملابسها لتأتي هي وامي لتمكث معنا هذه الفترة ..

نظر الي سامي في المرآة بتعجب وهو يقول:

- يوسف.. انها الثالثة والنصف صباحا.. أتود ان نوقظ العمة منى الان؟..

نظرت نحو ساعتي بذهول وقد انتبهت للتو انها الثالثة والنصف بعد منتصف الليل....اه يا اللهي!.. انا بالفعل اصبحت بعالم ثاني بعد ان تلقيت خبر علياء.. وحتى النوم هرب مني من دون رجعة بعد ان كنت شديد التعب والنعاس!!.....فقلت له فوراً:

- لا...احضر لي ديما فقط بعد ان تحضر ملابسها من المنزل.. وتعال بسيارتي قد لا اتمكن من الحضور للمنزل غداً من اجل احضارها وسأعيدك انا للمنزل..

اومئ موافقا:

- حسناً لابأس...

فألتفت انظر من حولي وقلت له:

- سامي؟...أتراك تعرف مطعم او اي متجر للوجبات السريعة مفتوح لهذا الوقت؟..

فكر سامي قليلًا قبل ان يغير اتجاه السيارة وهو يقول:

- اجل...اظن اني اعرف ثلاث متاجر يمكن ان نجدها مفتوحة في هذا الوقت!..

استغرقنا الطريق 15 دقيقة كي نصل الى المتجر كي نجده لسوء حظنا مغلق فغير سامي الطريق نحو متجر اخر والذي رأف الرب بحالنا لنجده مفتوح...نزل سامي ليشتري لنا بعض الطعام من اجل علياء وانا اراقبه من النافذة بأسى وشعرت بالذنب حياله كونه خاض كل هذا الطريق من اجلي ولم يدعني اذهب وحدي.. كان يبدو مرهقاً جداً وعيناه اصطبغتا بالأحمر من شدة النعاس والتعب.. يقف بجانب فتحة تسليم الطلبات بانتظار طلبيتنا...يسند يديه فوق خصريه وينزل رأسه نحو الاسفل وبين ثانية واخرى اراه يرفع يده كي يدعك عينيه وينشطهما من نعاسهما فيجعلني هذا اشعر بالذنب اكثر لاسيما انه سيوصل ديما نحو المنزل كي تحضر ملابسها ومن ثم يحضرها الى شقتي.. امامه ساعة على الاقل كي يحظى بالراحة!!.... وقعت عيناي بالصدفة على المرآة الامامية التي تقع بجانب مقعد ديما لأشاهد وجهها من خلاله تحدق بسامي بذات نظراتي.. ولكن نظراتها ممزوجة بحب كذاك الحب الذي تتطلع فيه علياء بي!!.....ديما صغيرتي!!...بالفعل لا احد يستحقها سوى سامي.. ولن اثق بأحد ان يعتني بها ويحافظ عليها مثلي كسامي.. بل انه احيانا يًحافظ عليها اكثر مني!!...وجدت ابتسامة دافئة تحتل ثغري وانا احدق بهما...فأحب ثلاثة الى قلبي هم علياء وديما وسامي...انهم الاقرب والاحب لي...ولكن بالطبع عليا تحتل المرتبة الاولى من دون اي منافس!!... بل حتى اني اشك ان امتلكت اطفالًا في المستقبل فمن المستحيل ان احبهم اكثر من علياء...فحتى وان اصبحت اما سًتبقى طفلتي المدللة التي افضلها على الجميع حتى على اولادي!!... ستبقى اميرتي الجميلة التي لا أ سأم ابداً من التحديق في عينيها التي تشبه البحر...من لمس شعرها ال ناعم والطويل.. عفواً القصير!....بالحديث عن شعرها.. ما موضوعه يا ترى؟.. ما هذا القرار المفاجئ بقصه؟.. أتصدقون انه ذات مرة التصقت به علكة وتشابكت مع خصلات اخرى وارادت عمتي سمية ان تقص بعضا مًنه ولكن علياء رفضت ذلك بشدة؟.. جلست طوال 3 ايام تخترع مئة طريقة وتحاول بألف وسيلة كي تتمكن من ازالة العلكة من دون قصه وتمكنت من ذلك بالفعل ولم تقص ولو خصلة واحدة.... والان تأتي بكل بساطة لتجعله بالكاد يلامس كتفيها؟!......بالفعل لدى علياء تصرفات غريبة لا يمكنني فهما مهما اقتربت منها وتعمقت بأفكارها...دائماً تبقى هناك زاوية مظلمة في تفكيرها لا اعرف ما الذي يدور فيها بالضبط!!..

عاد سامي نحو السيارة لينطلق بنا نحو شقتي ثم اخذ ديما نحو المنزل.. دخلنا الى الشقة التي تقع في الدور الثاني وبالتأكيد بداية الامر كانت غارقة في ظلام دامس.. اشعلت الانوار فيها ومن حسن الحظ اني قبل ثلاثة ايام طلبت من بعض خادمات منزلنا ان يحضرن لتنظيفها.. فأنا ان احتجت الهروب من عالم البشر لأنعزل بعالمي فقط كنت اختار هذه الشقة كي ابقى وحدي لا شيء يدور حولي سوى طيف عليائي...ولكن هذه المرة علياء اكثر من طيف...انها واقع!!..
نظرت نحوها لأجدها تتجول بأبصارها في كل ركن من اركانها وكأنها تحاول استكشافها ولم تقطع مد بصرها وتحديقها ألا بعد ان نطقت اسمها..

- عليائي؟..

التفتت الي بجمود فأردفت فوراً:

- ما رأيك ان تأخذي حمام ساخن بينما اهيئ لك الغرفة التي ستنامين فيها؟..

سكتت لثواني ثم اومأت موافقة وارشدتها لمكان الحمام وذهبت نحو غرفتي لأجد لها شيء ترتديه فحقيبتها لاتزال في صندوق سيارتي مع سامي وديما...وبالطبع لم اكن املك اي ملابس تخص الفتيات في شقتي لذلك اضطررت ان اعطيها شيئاً مني...لم اجد ما يناسبها فجسدي الطويل لا يتناسب مع جسدها الضئيل ولكني واخيراً وجدت قميص كان قياسه لا يناسبني مع بنطال من النوع القصير الذي بالكاد يغطي ركبتاي.. اخذتهم مع منشفة جديدة باتجاه الحمام لأجد ان بابه لايزال مفتوحا.. كانت عليائي تقف امام المغسلة التي هناك وترتكز على حافتيها وتطرق رأسها للأسفل بتعب..

- علياء؟!..

رفعت رأسها ببطء نحوي فقلت لها:

- انت بخير؟..

لا اعلم لما تستغرق كل هذا الوقت بالإجابة ولكنها لم تكن تجيبني فوراً.. تنظر داخل عيناي لثواني بجمود ونظرات تائهة توحي ان عقلها ليس مع سؤالي بادئ الامر ابداً وتحتاج بعض الوقت لتستوعبه...وكما قلت لكم ثواني حتى اومأت لي ب "نعم".. تبسمت بحنان وانا اضع لها الملابس فوق المنضدة التي بداخل الحمام وقلت:

- استحمي بينما اجهز لكِ بعض الطعام..

فأشارت لي هذه المرة فوراً:

- (لا داعي... لا اريد طعاماً)..

فنظرت نحوها بابتسامة بينما كنت في طريقي للخروج وقلت بنبرة آمرة:

- انا لا أسالك...انا اعطيك علم فقط!!...

وخرجت مغلقا اًلباب خلفي دون ان اعطيها فرصة للاعتراض... اخرجت البيتزا وشطائر الهامبرغر والبطاطا المقلية التي احضرهم لنا سامي وبدأت بإعادة تسخينهم لحين خروج علياء من الحمام...

جلست على المائدة التي في الم طبخ واحتضنت رأسي بين يداي واغمض عيناي بقوة لأتذكر منظر الندوب فوق جسدها فيتصاعد الدم كله باتجاه وجهي وانقبض قلبي بشدة اكاد اصرخ من شدة النار التي استعرت بداخلي.... اود حقاً ان اذهب نحو ذلك السجن واقتل كل جندي به.. وكل حارس.. اود ان اعود لماضيها لأعرف اسماء كل من أذوها بهذا الشكل وانتقم منهم واحد تلو الاخر... لا يمكن لعقلي حتى ان يتخيل كيف حصلت على هذه الندوب؟....الان فقط ادركت التصرفات الغريبة وحالات الهستيرية المفاجئة التي كانت تنتابها....فلا يوجد انسان طبيعي يحصل له ما حصل لها ويبقى عاقلًا.. بل ان بقي عاقلًا عندها يجب ان نشك ب صحة عقله!!...

مرت 15 دقيقة وسمعت حركة عند باب المطبخ.. رفعت رأسي لأجد علياء وشعرها المبلل وجسدها الضئيل غارق داخل قميصي الواسع.. ولكن لا اعرف كيف تبدو بهذا ال جمال رغم كل شيء ترتديه هذه الفتاة!!...

تبسمت وانا انهض من مكاني واقول:

- هيا.. تعالي لتجلسي لأحضر الطعام..

ذهبت لإحضار الطعام ووزعته فوق المائدة وهي تجلس بهدوء في الكرسي المقابل لي لا تبدي اي حركة او تنهيدة!..كانت تجلس بهدوء تعبث بأصابعها وهي تحدق فيهم ببرود تحاول التهرب بنظراتها من العالم الذي حولها لتهرب نحو عالم خيالاتها الوحيد!.. جلست في مقعدي وقلت:

- هيا باشري الاكل..

رمقت الطعام بعدم شهية ثم نظرت نحوي بنظرة اعرفها جيداً فقلت فوراً بحزم:

- لا اريد ان اسمع اي اعتراض....حققت لكِ كل ما تريده وحان الوقت لتنفذي لي ما اريده.. هيا كُلي..

فمدت يدها بملل وقلة حيلة لتأخذ قطعة من البيتزا وبدأت بتناولها ببطء مرغمة وتناولت انا قطعة اخرى كي اشاركها الطعام ولا تأكل بمفردها وتشعر بالملل.. نظرت نظرة عابرة نحو نافذة المطبخ فتفاجأت بظلمة السماء قد اختلطت ببعض النور فتمتمت بتعجب:

- لقد بزغ الفجر!!..

فنظرت علياء معي ولا اعلم لما غزت تقاسيم الراحة فجأة وجهها وهي تحدق بالنافذة.. وكأنها اطمأنت ان الصباح قد بزغ واخيرا!..
انتشلنا من تحديقنا طرقات فوق باب الشقة فنهضت وانا اقول:

- لابد انهما ديما وسامي...

ذهبت لفتح الباب وقد كانا هما بالفعل.. دخلت ديما فوراً نحو علياء التي تقف خلفي على مسافة بينما ناولني سامي مفاتيح سيارتي وهو يقول:

- هل تحتاج لأي شيء اخر يا يوسف؟..

فنظرت له بامتنان وانا اقول:

- لا.. انا بالفعل لا اعرف كيف اشكرك عما فعلته يا سامي..

ثم منحته نظرة ذات معنى وتطلعت باتجاه ديما وعدت ببصري اليه بابتسامة ماكرة وقلت:

- أو....ربما اعرف كيف اشكرك!..

حك ذقنه بارتباك اشاهده يغزوه لأول مرة ثم قال:

- اجل.. وربما قريباً جداً!..

- " قريباً جداً " لأي شيء؟!..

تبسم وهو يقول:

- لا شيء.. انسى الامر الان..

فبادلته ابتسامته وانا اقول:

- حسناً يا متحاذق...هيا بنا لأوصلك..

وفجأة يد ما قبضت على مرفقي بقوة التفت لأجدها علياء قد عاد الانقباض يغزو وجهها واشارت لي فوراً:

- (اين انت ذاهب؟!..)

فقلت وان لا افهم سبب انزعاجها وخوفها بهذا الشكل:

- سأوصل سامي واعود...ديما ستبقى هنا معكِ..

- (لا.. سآتي معك..)

رفعت حاجباي بدهشة وانا اقول:

- تأتين معي الى اين؟...اذهبي لتكملي طعامك وبعدها نامي..

فهزت رأسها بالنفي واشارت بعناد:

- (لن افعل...ولن تخرج وتتركني وحدي..)

- انا لن اترككِ وحدكِ ديما معكِ..

فأجابتها ديما فوراً:

- عزيزتي...لن يتأخر اكثر من 10 دقائق... تعالي معي لأعطيكِ ملابس اخرى ترتاحين بها اكثر.. وبينما تغيرين ملابسك وتمشطين شعرك سيكون قد عاد..

ولكن عناد علياء كان اقوى من ان يتم التغلب عليه.. واخيراً حل سامي هذه المشكلة وهي يضع يده فوق كتفي ويقول:

- لابأس يا يوسف...سأستقل تاكسي.. يبدو انها خائفة بما فيه الكفاية...دعنا لا نزيد الامر سوءاً..

استسلمت للأمر وانا اقول:

- حسنا.. دعني اوصلك لأسفل البناية واعود..

ونظرت نحو علياء وانا اقول:

- ام انك لا ترضين حتى بهذا ؟!..

فرفعت كتفيها وانزلتهما بعدم اهتمام وهذه اشارة لموافقتها فتبسمت بقلة حيلة من عنادها الطفولي ومن طاعتي لها!!..

اوصلت سامي الى الشارع الى ان استقل تاكسي وعدت نحو الشقة...وجدت علياء قد دخلت غرفتها مسبقاً ولكن على ما يبدو انها رفضت ان ترتدي الملابس التي احضرتها ديما من اجلها وبقيت بملابسي التي اعطيتها اياها... حدقت فيها وهي تنام بعمق فوق سريرها وكأنها تغط فيه منذ عشر ساعات وليس وكأني تركتها منذ خمس دقائق فقط...دخلت الى الغرفة ومسحت فوق شعرها الناعم بهدوء وانا اهمس لها:

- تصبحين على خير صغيرتي!!...

ثم اغلقت الباب من بعدي وخرجت لأنام بالغرفة المجاورة لها وديما في غرفة اخرى....دون ان نعلم ان هذه الطمأنينة التي ننام بها اليوم لن نحظى بها في الايام القادمة.... اسوأ ايام تمر علي....ايام خسارتي لصغيرتي المدللة!!.. لأعرف عن اميرتي اشياء خلال ايام لم اعرفها عنها خلال سنين!


المصدر: ponyponyyy

إكتشف محتوى اكثر

تعليقات

  • Sama Elhakim

    سندريلا 😍😍

  • ورده الجوري

    واخيرا سامي اعترف يا سلام اروع فصل أن شاء الله الجاي يكون اروع

  • SaLma Belymam

    امتى يعرف الحقيقه 😔💔

  • Shams Sharawy

    حلووووووووووة اوي

  • سوسو سوسو

    انها مشوقه قومو برسال باقي الروايه ارجوكم

إكتشف محتوى اكثر
افتحي Hayaa للمشاركة في المزيد من المواضيع النسائية
فتح

تحميل تطبيق Hayaa

لإدارة صحة فترة الدورة الشهرية ، شاركي في المواضيع الخاصة بالمرأة

Google play
App store

تم النسخ