رواية: عذابي الصامت - الفصل الثامن عشر

الفصل الأول👉

الفصل الثانى👉

الفصل الثالث 👉

الفصل الرابع 👉

الفصل الخامس 👉

الفصل السادس 👉

الفصل السابع 👉

الفصل الثامن 👉

الفصل التاسع 👉

الفصل العاشر 👉

الفصل الحادى عشر 👉

الفصل الثانى عشر 👉

الفصل الثالث عشر 👉

الفصل الرابع عشر 👉

الفصل الخامس عشر 👉

الفصل السادس عشر 👉

الفصل السابع عشر 👉

-18-

من  انتِ

(يوسف)

قدت سيارتي بحذر شديد خشية التسبب بحادث!.. فأنا احتاج هذا الحذر وسط عقلي الذي لم يكن يدرك ما الذي امامه بالضبط.. وكل ما هو مرسوم هو صورتها فقط!.. تلك العيون التي لطالما تشابهت مع البحر في لون ها قد ادركت اليوم انها امتلكت اسراره ايضاً!...اميرتي الصغيرة لم تعد كذلك بعد الان.. لم تعد تلك الطفلة سريعة البكاء. .سريعة الاستسلام ..مفضوحة الافكار بالنسبة لي!!..

اصبحت شخص لم اعرفه من قبل...ولكن بالرغم من ذاك لازال قلب ي يعشقها كما لو كانت تلك الطفلة ذات الخمس سنوات التي تلتجأ لي في كل ليلة كي اثبت لها ان النوافذ مغلقة دون ان ادرك الغاية من ذلك!!...
دعست ق دم ي على الفر امل فوراً وانا اوقف السيارة بجانب الطريق...لم يعد لدي القدرة على الاكمال وجسدي وعقلي يرفضان مطاوعتي وكل شيء بي مشتت....استندت برأسي بتعب فوق المقود ونزلت دمعتان من مقلتاي لتلتقيا عند قمة انفي لتنزلا بثقل نحو حجري!....انا بالفعل احتاج للبكاء.. للصراخ.. لتحطيم كل شيء حولي...ولكن جسدي ضعيف في هذه اللحظة....ضعيف اكثر من اي وقت مضى!...احتاج فقط ان اسجن نفسي داخل غرفة دون ان اسمع فيها صوت احد وابقى اتعذب وسط افكاري واعزي نفسي بنفسي... لأدرك الان فقط تصرفات علياء الغريبة في الماضي وانعزالها بشكل مفاجئ وبكائها من دون سبب احياناً.. تلك الصغيرة كانت تتعذب وسط فرحتنا.. تصرخ اثناء نومنا...تبكي ونحن مشغولين باستمتاعنا....لا احد منا قد احس
فعلًا بما عانته تلك الصغيرة!!..

رفعت رأسي دفعة واحدة واعدت تشغيل السيارة لأنطلق بها بسرعة غير تاركا مًجال ل مشاعر ي لأن تسيطر علي في هذه اللحظة.. فثانية واحدة ستكون اللحظة الحاسمة التي سنقرر ابقاء علياء حية او تسلبها منا!..

وصلت الى المزرعة ولكني وقفت على بعد بضع مترات عن البوابة لأتصل بعمتي... استمعت الى رنين الهاتف واصبعي ينقر بتوتر فوق جلد المقود ولم يستكين ألا بعد ان سمعت صوتها يلقي التحية بلهفة لأقاطعها انا بحزم:

- لا تنطقي اسمي عمتي!..

سكتت العمة لثواني مستغربة هذا الطلب لأردف انا فوراً:

- أهناك أحد بجواركِ؟!..

- لا!..        

تنهدت بارتياح لأقول:

- جيد !...انا اقف عند البوابة الخارجية...تعالي لتقابليني دون ان تثيري انتباه احد بخروجك ولا تخبري أياً كان اني كنت المتصل!..

ختمت كلامي واغلقت الهاتف وانتظرت خروجها الذي لم يستغرق اكثر من دقيقتين!.. فتحت باب المقعد الامامي واول ما جلست التفتت الي بقلق لتقول:    +  

- ماذا هناك يا يوسف؟.. هل حصل شيء؟.. هل علياء بخير؟..

واول ما سمعت اسم عليائي حتى احسست بوخزة كهربائية في قلبي ستدفع الدم ع داخل عيني.. ولكني ادعيت التماسك كي لا ابث الخبر المفجع بشكل مفاجئ لعمتي لأخبرها ان صغيرتها على وشك رمي نفسها في ذات الهاوية التي احتوت جثمان اختها الصغيرة سلوى!...

تجاهلت سؤالها لأطرح عليها اخر:

- اين العم كمال؟..

فأجابتني باستعجال كي يحين دوري لأجيب تساؤلها:

- انه برفقة جدك في مشوار!..

وما ان وصل لمسامعي اسم جدي انقبض وجهي وبرزت شرايين رقبتي النافرة من هذا الاسم وشغلت السيارة وانا اقول لها باقتضاب:

- اتصلي به ليوافينا عند الساحل ولكن دون ان يجعل جدي يعلم انه سيقابلنا او حتى بأمر قدومي..

قبل ان تتحرك السيارة قبضت عمتي على يدي التي تتمسك بالمقود لتجبرني ان التفت اليها واول ما فعلت قالت وهي تزيد من ضغط يدي:

- هل حصل لعلياء شيء؟!..

حدقت داخل عينيها بجمود لثواني قبل ان اعيد بصري امامي لأحرك السيارة وانا اقول:

- علياء في شقتي عمتي ولم يصبها اي مكروه.. لكن انا وانتم نحتاج للتكلم..

- بخصوص ماذا؟..

- بخصوصها!..

ثم التفت اليها فوراً قبل ان تردف سؤال اخر وانا اقول:

- ليس لدي وقت يا عمتي ...سيأتي العم كمال لتفهمي كل شيء ..فقط اتصلي به!..

اغتالت العمة تساؤلاتها بشكل مؤقت لتصمت وتتصل بكمال متخذة ذات طريقتي وتحذيره والتأكيد عليه ان لا يخبر اي احد بلقائنا ولا حتى جدي!..

وصلنا الى الساحل ونزلت من مقعدي لاتكأ على غطاء السيارة الامامي لأسمح لبعض الهواء بالتسلل الى صدري الذي خيم الظلام عليه وحارب باستماته ليخنقني اكثر واكثر طوال الساعات المنصرمة!..

سمعت صوت الباب الاخر يفتح وخطوات عمتي تقترب مني الى ان وصلت على مقربة وهمس باسمي بنبرة تمزج الارتجاف والتوسل معاً!..

افرجت جفناي عن حدقتاي وادرت كرتا عيناي باتجاهها دون ان اجيب بشيء فأكملت هي وبضع دمعات تلمع داخل مقلتيها:

- ارجوك.. لم اعد احتمل...قل لي ان كل شيء بخير!..

كم كانت كلمة سهلة بالنطق..ويا ليتها كانت صحيحة!..
رفعت يدي باتجاه وجهي لأمسح الاجهاد عنه.. او اضيع بهذا الوقت.. او اخفي ملامحي عن عمتي...كل الاسباب هي ذاتها بالنسبة لي!.. رفعت يدها لتقبض على عضدي بقوة وهي تقول بنفاذ صبر:

- يوسف تكلم بحق السماء!...قل لي ان كل شيء بخير!..

نظرت اليها وانا اشعر ان هناك شيء ما يرتكز فوق حنجرتي سيدفع الدمع خارج عيني وانا اقول لها:

- للأن.. كل شيء على ما يرام!..

توسعت حدقتيها باستنكار تحاول نكران ما فهمته من جملتي هذه وقالت لي بتوجس:

- ماذا تعني ب"للأن"؟؟!!..

قلبت عيناي بأسى داخل عيناها الامر الذي دفع دموع ها للتزايد اكثر وهتفت بي بحدة:

- أجب!..

وقعت دمعة من دون ارادة مني من مقلتي وانا اقول لها بألم:

- لا يمكنني ..دعي العم كمال يحضر وسأتحدث بالأمر حينها.. اخشى ان اتحدث بالأمر اكثر من مرة...انا ذاتا مًرعوب ان ابوح به لأي احد!..

فجأة بهتت ملامح عمتي واعتلت الصدمة عينيها وهي تحدق بي...استرخت قبضتها رويداً من فوق عضدي وانسدلت بضعف بجانبها ودموع اخرى تلحق بالأولى...لقد ادركت الموضوع الذي جئتهم به.. ادركته من ألمي.. من رعبي.. من بكائي لأول مرة في حياتي امام العلن!.. ادركت انه لا شيء غير هذا سيجعلني بحالة كهذه!!..فقالت لي بهمس مرتجف:

- أأ..الثورة؟!!...

اغمضت عيناي بتألم فشهقت عمتي بجزع وكتمت شهقتها بأطراف اصابعها فورا وًجسدها كله يهتز كطائر صغير وسط عاصفة ممطرة!!...ظننتها ستصرخ بي تطلب مني تفسير كلامي الغريب.. ظننتها ستستحيل حصول هذا الامر وستعتبره مجرد استنتاج وهمي...لم أظن انها ستكسو ملامحها ب طبق ة من الجمود لا يخترقه شيء سوى الدموع ...لم اظن انها ستلتاذ بالصمت من دون ان تعلق بأي شيء اخر!...

سارت بضع خطوات وواجهت البحر تحدق به بصمت غريب ونظرات مقتضبة...فأدركت ان حصول هذا الامر لم يفاجئها.. فبالتأكيد هي قد شّكت مسبقا بًأمر انضمام علياء للثورة... واليوم انا قد أكدت لها الامر فقط!!..

راقبتها بألم وانا اعلم حرارة النيران التي تلهب قلبها في هذه اللحظة.. فأنا ا ذكر جيداً تلك الليالي التي كنت ارى فيها عمتي تجاور علياء الصغيرة في سريرها وتجهش ببكاء مرير تتضرع الى الرب ان يحفظها لها وان لا يسلبها القدر منها كما سلب اختها من قبلها!.. علياء كانت لها الابنة التي لم تحظى بها.. كانت القطعة الاخيرة التي تبقت من عزيزتها سلوى.. وهذه القطعة توشك على الانكسار الان ايضاً.. ستنكسر لتكسر الكثيرين معها!!..

التزمت عمتي الصمت حتى بعد ان حظر كمال وشرحت لهم كل شيء.. وبالطبع لا داعي ان اقول لكم رد فعله.. فلم يتردد للحظة واحدة عن اخفاء دموعه او كتمانها.. فاليوم هو وسمية يصدمان بخبر وشوكهما على فقد ابنتهما الوحيدة ان لم يسرعا بإيجاد حل ما!!..

سيطر علينا الصمت لوقت غير محدود ودون ان يعلم احدنا بما يعلق!.. تقلبت ابصارنا داخل ابصار بعضنا يرتجي احدنا لو ان الاخر يطمئنه بشيء...ولكن القدر الاسود هو ذاته يحيطنا ولا يسعنا سوى التشاؤم اكثر من القادم!..

- خذني اليها!..

قالتها عمتي بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش.. تبادلنا النظرات انت وكمال الى ان استدار اليها يحاول جعلها تعدل عن رأيها وهو يقول:

- عزيزتي.. ربما ذهابنا اليها الان ليس من مصلحتها.. بماذا سنتعذر لأبيكِ بتأخرنا؟..

فألتفت اليه بعصبية وبضع دمعات تفلت من بين مقلتيها:

- سنتعذر له بأي شيء يا كمال ..وحتى وان عرف بأمر ذهابنا اليها لن يضرها هذا بشيء..

عندها انتفضت انا بعصبية:

- انا لم اعد اثق به ولم اعد اعرف اي معلومة ستضرها ان عرفها عنها.. لا اريد ان يسمع عنها اي شيء ولا حتى امر لقائكم بها!..

فألتفت الي عمتي بملامح صلبة اراها تكسوها للمرة الاولى وهي تقول:

- يوسف!...نعم ابي مذنب بما فعله مع مازن وبسببه حصل الان ما حصل.. وبسببه ماتت سلوى.. ولكنه بالتأكيد لم يقصد ان يحصل هذا.. نعم هو مخطئ وذنبه لا يغتفر بتسليم مازن لهم.. ولكنه لم يتوقع انهم سيأخذون ابنته وحفيدته ايضاً.. لذلك من المستحيل ان يفعل شيء الان يؤذي علياء..

لأجيبها بعصبية مماثلة:

- لن اهتم بما كان ينوي عليه  وما حصل عكس توقعاته...ما يهمني هو ما انتجه بتفكيره وتصرفه ذاك!..

حدقت داخل عيناي لثواني معدودة قبل ان تقول بإصرار اكثر:

- خذني اليها...الان!..

نظرت نحو كمال ليومئ لي موافقا رًأيها فاستسلمت للأمر...فبالنهاية هذا من حقها.. هي لن تتحمل ان تصبر ليوم اخر من دون ان تراها!..

قدت مرة اخرى باتجاه شقتي.. ولكن هذه المرة مع اثنين اخرين...كانت السيارة في حالة حداد وصمت قاتل يتمسك به ثلاثتنا وتفكيرنا يلتقي عند نقطة مشتركة.... علياء!..
كنت اقود وارمق عمتي بنظرات قلقة بين لحظة واخرى...كانت ساكنة لا يكسر سكونها سوى دموعها الصامتة مثلها...لا تبعد عينيها عن الطريق وكأنه يقدم لها اجوبتها التي تحتاجها!.. العم كمال لا يختلف عنها كثيراً سوى انه يطلق تنهدات متحسرة بين ثانية واخرى وكأن هناك جبل ضخم من الهم يستقر فوق صدره يمنعه من التنفس براحة!.. ثبت ابصاري على الطريق اشاركهما صمتهما وعقلي لا يرحمني من تلك الفوضى الذي يسببها لي من افكار متشائمة وامنيات مستحيلة!...

ماذا لو كان هذا الامر كله كابوس مزعج؟.. ماذا لو لم يفعل جدي ما فعله ..ألن يكون الان مازن وسلوى احياء؟ ألم ستكون علياء الان تعيش وسط حنانهما؟...وما كانت ستدخل ذلك السجن.. وما كانت ستصبح خرساء...وماكنت سأتعرف عليها بطفولتها...ولكن بالتأكيد القدر سيجمعني بها في صباها...ربما في مقهى ما.. سأقع بغرام تلك العيون الزرق اء ايضا. سيجذبني صوت ضحكتها الرنانة والتفت اليها... سأدعوها لكوب من الشاي...سأخوض حديث معها.. سأكتشف انها ابنة عمتي.. سيزيد تعلقي بها اكثر... سأطلب يدها للزواج.. ستوافق.. سيجعل زواجنا افراد العائلة يسامحون سلوى.. ويتقبلون مازن!...فقط لو "ماذا لو"؟!....ماذا لو لم يكن واقعنا اسود بهذا الشكل؟!...ماذا لو لم تعاني صغيرتي من كل ذلك العذاب؟.. أكانت ستفكر بالانضمام للثورة؟ أكنت سأفقدها؟!....ومضى الطريق كله وعقلي ي رسم لي حياة وعالم انشأته كلمة.. "ماذا لو"!..

وصلنا الى الشقة لتفاجئ امي وديما بحضور سمية وكمال.. فهما الى الان لم تفهما اي شيء مما حصل ولم تعرفا سبب صراخي ذاك بعلياء ومن ثم الان قدوم سمية وكمال!.. ردت عمتي تحيتهما بجمود لتردف بعدها فوراً:

- اين هي؟!..

وقبل ان يجيبها احد فتحت عليائي باب غرفتها بعد ان سمعت صوتهما...نظرت لي بتوجس ثم اعادت بصرها نحو عمتي التي بقيت متصلبة في مكانها من دون حركة...تقدمت اليها علياء بخطوات ضعيفة الى ان وقفت امامها وعينيها تحمل بعض التوتر امام عينا عمتي الباردة المحملة بدموع تأبى الخروج الان... الجميع اكتفى بالصمت يراقب هاتين الاثنتين... صمت لم يطول...

فجأة قطعته عمتي وهي ترفع يدها لتنزلها بقوة فوق خد صغيرتي الرقيق لتترك اثر احمر ادمى قلبي له!..

فتحت عيناي بصدمة.. شهقت ديما بفزع.. هتفت بها امي بلوم:

- لما فعلتِ ذلك يا سمية؟!..

لم تبالي عمتي بأي احد منا وبقيت تركز نظرها على وجه علياء الذي لايزال مستديرا اًلى الجانب اثر تلك الصفعة القوية وقالت لها عمتي بإحباط ومرارة:

- لقد خيبتِ ظني بكِ...لقد خنتِ ثقتي...انا لن اسامحكِ ابداً يا علياء....ابداً!..

انقبض قلبي بقوة واعتصر...سمعت صراخه المتألم وعيناي تراقبان ذلك الاحمرار فوق خدها الرقيق...انا بالفعل لا اتحمل ذلك...ولكني لن اتدخل!...فنار عمتي تشابه ناري في الالم وسأعذرها على كل ما تفعله...ويبدو ان عليائي مشابهة لتفكيري...فهي لم تغضب...لم تستدر عائدة نحو غرفتها...بل ذرفت دموع اسفها وهي تتقدم خطوات باتجاه عمتي برأس تنكسه نحو الارض بندم ولفت يديها حول خصر العمة لتضمها بقوة وتستكين برأسها فوق صدرها تطالب بالأمان والصفح!..

رد فعل علياء كسرت كل الاسوار المنيعة لدى عمتي سمية وجعلتها تنهار ببكاء اشد وتضم علياء اليها اكثر لتغدقها بوابل من كلمات اللوم وسط نحيبها!!.. كانت دقائق صعبة مرت علينا وسط دموع وتخيلات تسحبنا نحو المجهول...كل شخص فينا يحوط نفسه بهالة من التفكير والحلول شبه المستحيلة!...

لم تختلف رد فعل امي وديما كثيراً عن الاخرين بعدما عرفوا بأمر علياء الذي كنت مضطرا اًن ابوح لهما به!...كانت ديما تحمل الاسى والدمع في عينيها.. ولكن امي تمزج نظرة غريبة مع الاسى...نظرة عميقة لم افهم معناها في لحظتها.. وفي الحقيقة لم ابالي كثيرا لًفك تلك النظرات المشفرة التي تحدق فيها امي بعيداً عنا واكتفيت بتثبيت بصري فوق عليائي التي جلست ما بين كمال وسمية على الاريكة المقابلة لي ولاتزال مصرة على ضم نفسها بقوة لعمتي وكأنها ستف ارق ها الفراق الابدي بعد ثواني وليس حتى دقائق!!..

- والان ما الحل؟!..

التفتنا جميعاً باتجاه امي التي سحبت نفسها جبراً من عالم تفكيرها لتشاركنا حروفها...حروفها صعبة الفهم بالنسبة لنا!.. كلماتها غير متواجدة في قاموسنا في هذه اللحظة!... الحل؟؟!!.....انها كلمة صعبة...صعبة جداً!.. انطلق صوت ديما لتجيبها من بيننا:

- لا اظنه لدينا الكثير من الخيارات.. لا حل لدينا سوى ما قال يوسف...تهريبها خارج البلاد!..

فزفر العم كمال بضيق وهو يمسح وجهه بتعب براحة يده وقال:

- ديما محقة!...ليس لدينا الكثير من الخيارات.. لدي صديق بإمكانه صناعة جوازات مزورة لعلياء ويوسف خلال ثلاثة ايام ليهربا بها من الحدود ومن ثم خارج البلاد نهائياً..

وهنا كان دور عليائي لتقوم بانتفاضة من مكانها وتشير الي بحدة من وسط دموعها التي جفت في الحال:

- (انا لن اذهب الى اي مكان.. أتظنون انه بهروبي ستحل الامور؟؟!!....انتم لا تفهمون شيئا اًبدا لًذلك لا تتدخلوا..)

لا اظنه الوقت المناسب ابدا لًعنادها.. بل ولا اظنه من الاساس الموضوع المناسب لأتقبل فيه عنادها!.. فنهضت بنفاذ صبر من مكاني لأهتف بها بعصبية:

- الامر ليس عائد لكِ.. هل فهمتِ؟!..

لتشير بإصرار:

- (هي حياتي انا وانا من سأقرر..)

وهنا كانت الجملة التي فقدت فيها اعصابي تماما فًأمسكتها من يدها بقوة كادت عظامها الرقيقة ان تتهشم تحت قبضتي القاسية وهززتها بعنف وانا اصرخ بها بغضب:

- هل فقدتي عقلكِ؟!...هل تدركين ماذا سيحصل لكِ ايتها الغبية؟؟!..

لم تنجح هي بإنقاذ يدها مني ولكن لحسن حظها العم كمال تدخل بيننا وسحب يدها وهو يقول لي بلوم:

- اهدأ يا يوسف!.. الامور لاتحل بهذه الطريقة!..

ثم نظر نحو علياء ليكمل:

- ما رأيكِ.ان نتحدث بانفراد يا صغيرتي؟!..

فأبقت تلك العنيدة نظراتها الحادة داخل عيناي الغاضبة لثواني قبل ان تخضع لطلب العم كمال وتتجه معه نحو غرفتها ليتحدثا بمفردهما!..

جلست كمن يجلس بانتظار قرار اعدامه ..داخل صمت موحش يشاركني الجميع به!.. انها المرة الاولى في حياتي التي يصيبني فيها التوتر بهذا الشكل...كنت اعلم انه باستطاعتنا اجبارها على الهروب ان اقتضى الامر ولن يكون بإمكانها معارضتنا ولكن....شيء ما بداخلي ينبئني بأن هناك شيء خاطئ ..حدسي يحذرني ان الامور ستغدو للأسوأ ولن نتمكن من النجاح!....خطأ واحد ..غفلة بسيطة...النتيجة ستكون موتها لامحالة!!..

نصف ساعة تقريبا وفتُح باب غرفتها...ولكن وجهها لم يطل علينا ..كان العم كمال فقط!.. اغلقه خلفه وتقدم الينا بوجه ملامحه مبهمة ولا نعرف ما جرى بينهما من حوار في الداخل...نهضنا جميعنا من مجلسنا والتففنا حوله كطبيب خرج لتوه من غرفة ال عمليات !.. وكنت انا الاول من بينهم الذي اندفعت الحروف بلهفة من بين شفتاه وانا اسأله:

- إذاً ؟.. هل سار كل شيء على ما يرام؟!..
نظر الي بنظرة غامضة لا افهم معناها وهو يقول:

- يبدو انها سترضخ للأمر وتسافر!

لتقول عمتي بقلق:

- إذاً  ما بك لا تبدو مرتاح لهذا القرار؟.. أهناك شيء ما تخفيه كمال؟!..

زفر بضيق وقال بنبرة اكثر انخفاضاً كي لا ينساب صوتنا لعلياء:

- رضوخها ليس باقتناع!..

- ماذا تعني؟..

سكت لثواني يقلب بصره بحيرة داخل عينيها الفزعة ثم قال:

- لا اعرف بالضبط....ولكن اشعر ان هناك شيء لا نعرفه...وكأنها تسايرنا فحسب!..

فقالت ديما في محاولة منها لبث بعض الاطمئنان في قلبها قبل قلوبنا:

- ولكن انت قلت ان صديقك بإمكانه تدبير الجوازات خلال ثلاثة ايام.. يمكننا الحرص في هذه الايام على عدم خروجها او الالتقاء بأحد وبالتأكيد كل شيء سيكون بخير!..

- اتمنى ذلك حقاً يا ابنتي!..

واكتفينا بتلك الجملتين الاخيرتين دون ان نعلق بواحدة اخرى تبعث اليأس فينا!.. نريد ان نتعلق بأي امل حتى وان كان كاذب..
بدأت الشمس تعلن اقتراب رحيل اشراقها من سمائنا لذلك كنت مضطراً لإعادة توصيل كمال وسمية الى المزرعة...ومثلما كان الصمت رفيق كل واحد فينا عند قدومنا كان هو رفيقنا ايضا عند رجوعنا!...

وصلنا الى المزرعة واوقفت السيارة ليت رجل ا منها مودعين بكلمات بالكاد وصلني صوتها لأرد عليهما بنبرة وكأني اتمتم لنفسي.. فثلاثتنا مسلوبين القوى حتى الصوت نجده يحتاج طاقة لا نملكها في الوقت الحالي!...
ولكني لم ابقى هكذا طويل ًا بعد دخولهما...فجأة توسعت حدقتاي بغضب وتسارعت انفاسي وانتفضت كل خلية في جسدي وانا اشاهد ذلك الجسد الذي بدأ الظلام يبتلعه بين سواده!...ولكني لم اسمح له بالابتعاد.. انطلقت بسيارتي بسرعة فأنتبه لصوت الاطارات الذي اخترق اجواء سكون المكان ليلتفت الي....فؤاد!..

كان على وشك دخول بوابة مزرعتهم الخارجية ولكنه توقف فورا عًندما وقعت عيناه علي... بقي واقفاً حيث هو بانتظاري ..فلم ابخل عليه بالاستعجال!...اوقفت سيارتي بجانبه ونزلت منها وشياطيني تتبعني جميعها ولامجال للعقل والهدوء في هذه اللحظة!..
وقفت امامه مباشرة وانا اعصر قبضتي بقوة احاول قدر المستطاع الحفاظ على يدي منخفضة بدل ان افقد اعصابي لأرفعها وأوجه له لكمة أغير بها تضاريس وجهه من شدة غضبي!.. فقلت له وبالكاد ابقيت صوتي منخفضاً:

- ما الذي تعرفه بالضبط عن علياء ولا اعرفه انا؟!...اخبرتني ذات مرة انه هناك الكثير من الاشياء التي اجهلها!..

اجابني بهدوء مناقض لعصبيتي بينما يغرق يديه داخل جيوب كنزته:

- وستس تمر بتجاهلها!... أمر انضمامها للثورة هو الشيء الاهم في هذا الوقت الذي عليك القلق بشأنه لذلك لا تبالي كثيراً ببقية الامور!..

قطبت حاجباي باستنكار وانا أساله:

- وكيف عرفت اني علمت بأمر انضمامها؟..

رفع زاوية فمه بابتسامة ساخرة وهو يجيب:

- ماذا؟!...هل تظن اني اجهل اخبارها فقط لأنك ابعدتها عن هنا؟!..

- اجبني على سؤالي!..

- هي من اخبرتني!..

فتحت عيناي بدهشة عاجزا عًن الرد بشيء ليكمل هو موضح:

- احياناً نلتقي واحياناً نتواصل عن طريق الرسائل النصية!..

فتبعثرت حروفي فوق شفتاي من شدة دهشتي:

- ت.. تلتقون؟...كيف؟.. ومتى؟!..

رأيت بعض الاسى يغزو نظراته نحوي لأن الصدمات تتوالى علي هذا اليوم بخصوص حبيبتي...حبيبتي التي من المفترض ان اعرفها اكثر مما يعرفها اي شخص اخر!..
اقترب خطوة مني وهو يقول لي بمواساة:

- يوسف!.. علياء لم تخفي عليك امرنا لعدم ثقتها بك.. بل لخوفها عليك...

ومع جملته هذه رفعت رأسي اليه دفعة واحدة وانا اعيد كلمته باستنكار وحدة:

- امركم؟؟...انت معهم؟..

وقبل ان يجيبني انقضضت عليه لأسحبه من يافطة قميصه واهزه بعنف وانا اصرخ به:

- أأنت من اقنعها بأمر الانضمام للثورة؟!..

امسكني من معصمي يحاول نزع يداي عنه ويفشل وهو يقول اثناء ذلك:

- انا لم اقنعها بشيء يا يوسف.. امر انضمامها للثورة تم تقريره منذ ان كنا في السجن!..

انسابت يداي بتلقائية بجانبي مع هذه الصدمة الثانية.. او الثالثة ..او ربما هي الخامسة ..لا اعلم.. لقد توقفت عن عدهم منذ مدة !.. عدت بضع خطوات نحو الخلف ليصطدم جسدي بهيكل السيارة ليوقفني عن تراجعي وانا اعجز عن ربط الافكار ببعضها... تمتمت شفتاي بعدم استيعاب:

- كنتم؟!...انت ..كنت معها في السجن؟!..

وعادت نظرة الاسى تلك لتحتل عيناه وهو يرى غفلتي طوال تلك السنين المنصرمة!..

اتكأت بيدي على غطاء السيارة الامامي اسند جسدي العاجز ومسحت بالأخرى وجهي احاول بث بعض النشاط لخلاياه الميتة!.. رفعت رأسي نحو السماء اسحب اكبر قدر ممكن من الهواء لأعيد طرحه ببطء وانا انظر نحو فؤاد واقول له بتوسل:
- ساعدني على تهريبها خارج البلاد...ارجوك!..

وفجأة وجدت زاوية فمه ترتفع بابتسامة وهو يومئ لي متفهماً ويقول:

- إذاً  هذا ما فكرت به!..

ثم اقترب مني ليضع يده فوق كتفي بينما يقول لي بنبرة تحمل بعض الطمأنينة لقلبي المرعوب:

- علياء ستكون بخير يا يوسف... لم نجلس طوال سنوات نخطط لتنتهي خطتنا بفشل...نحن ندرس كل خطوة نقوم بها الاف المرات قبل ان ننفذها..

ثم اكمل بنبرة ذات معنى بينما يضغط على كتفي اكثر يحاول جذب انتباهي اكثر لجملته التالية:

- وعليك ان تعلم ان كل خطوة تقوم بها انت ماهي ألا من تخطيطنا نحن!..

قطبت حاجباي بعدم فهم لجملته الاخيرة هذه فأنزل يده وقال لي فوراً:

- ستفهم كل شيء...ولكن ليس الان!...

وقبل ان اعلق بأي شيء اخر وسط هذه الصدمة وجدته يتركني ويدخل نحو منزله.. تاركاً اياي وحدي في عالم مشوش ..عالم لا يمكنني التماس اي حقيقة فيه!!..

وعدت مرة اخرى اقود وسط الظلام باتجاه المدينة واشباح مخاوفي تطوف حولي تجعلني اعيش حالة رعب جديدة لم تسيطر على قلبي من قبل! ..انه اسوأ اختبار تعرضت له في حياتي كلها.. لا يمكنني حتى تخيل حياتي من دونها...بل وما حياتي انا من دونها؟.. ما المعنى لوجودي من دون وجودها هي؟!...هي تكملني.. لا...بل هي تمثلني! ..هي تبث لي الحياة...فكيف عساني اعيش من دون حياتي؟!..

بعد طريق اتعب جسدي وعقلي وصلت واخيراً الى بناية شقتي...نزلت من السيارة مهدول الاكتاف اجر قدماي بصعوبة خلفي من شدة ارهاق ي!.. رفعت بصري بشكل لا ارادي نحو الاعلى ليقع عليه...على ذلك الجسد المتشح بالوساد.. على ذلك الوجه المخفي باللثام! ..يقف هناك على سور الغرفة الرفيع لا يخشى هذا الارتفاع الشاهق...واي سور...انه سور غرفة صغيرتي انا!..

توسعت حدقتاي برعب واول شيء خطر على بالي هو(القوات الخاصة للدولة)...ومع هذه الفكرة انسحب التعب كله من جسدي وركضت بسرعة تتعثر قدماي بالهواء من شدة ارتباكي وصعدت السلم بسرعة متجاهلًا المصعد الذي لن يزيدني ألا تأخراً!..

كان اطول طريق خضته في حياتي كلها.. مع كل سلمة اصعدها تضيق انفاسي وينقبض قلبي اكثر وانا اتخيل اني سأجدهم قد اخذوها الان.. قد سلبوا حبيبتي من بين يداي وسأكون عاجزاً عن ايجادها حيث تركتها.. وسأفقدها الى الابد!..

كدت ان اصرخ كالمجنون ..ان ابكي كالثكلى...انا كطفل مرعوب تركض خلفه مجموعة من الوحوش يحاول الوصول بسرعة نحو مصدر امانه!..

ارتجفت المفاتيح بين يداي وانا افتح بهم الباب لأدخل بسرعة نحو الشقة اسحب انفاسي بقوة ولا اجد اي هواء يدخل الى رئتاي وانا ادير بصري في الارجاء باحثا عًن اي شيء او اي دليل يطمئن قلبي بينما قدماي تركضان باتجاه غرفتها...فتحت الباب
بقوة وتجولت عيناي بسرعة وارتباك في انحائها...ولكن لا شيء!.. لا يوجد اي اثر لها...غطاء سريرها مبعثر.. ولكنه خالي منها!..
ارتفع صدري وانخفض بأنفاس سريعة وتجمعت الدموع في عيناي وارتفعت الصرخة نحو حنجرتي كدت ان اطلقها ولكن لمسة خفيفة فوق كتفيي جعلتني التفت بفزع ليرتد جسد علياء خطوة نحو الخلف فزعة هي الاخرى من ردة فعلي...ولكني لم اسمح لها ان تبتعد خطوة ثانية...سحبتها من يدها باتجاهي لأضمها الي بقوة اكاد اخبئها بين اضلاعي من شدة خوفي عليها...لا اعلم هل انا من التجئ اليها ام هي من تفعل.. كل ما اعرفه ان اضلاعها كادت ان تتكسر تحت عناقي القوي الذي عكس خوفي وقلقي!..

مرت ثواني لم تستوعب فيها علياء ردة فعلي ولكن ما ان احست بدموعي تنساب فوق رقبتها رفعت يديها بهدوء لتحيطيني بيد وتضع الاخرى فوق رأسي تمسح عليه برفق كأم تحاول تهدئة صغيرها من ألمه وبكائه!..

ضممتها الى بقوة اكبر حتى شعرت انها تعجز عن التنفس.. ولكنها لم تعترض!.. فهي مثلي قد احتاجت لهذا العناق القوي والصامت الذي يعكس مخاوف كلانا من مستقبل مجهول لا يحمل سوى الموت والفراق بين ايامه!..

لم استطع تلك الليلة مف ارق تها ولم اخبرها عما رأيته عند نافذة غرفتها كي لا ارعبها فبقيت جالس على الكرسي طوال الليل بجوار سريرها اضم يدي داخل يدها واراقبها تغط بنوم عميق.. اريد ان اشبع ناظري منها قدر الامكان فلا اعلم لما هناك احساس قوي بداخلي يحذرني ان هذا الوجه سيختفي عني قريباً.. ربما هو تشاؤم فقط من كثرة قلقي عليها.. او ربما هو اكثر من ذلك!..

حل صباح اليوم التالي ولكن الشمس ترفض ان تبرز من خلف تلك الغيوم السوداء المحملة بالدمع!....كان يوماً غائما وكئيباً جعل اوجاعي تزداد وتشاءمي يتفاقم!.
وقفت امام ال طباخ اراقب غليان القهوة  فوقه مع ان عقلي لم يكن مع القهوة على الاطلاق!..

- صباح الخير عزيزي!..

التفت باتجاه الباب وانا اجيب:

- صباح الخير امي!..

- استيقظت مبكراً هذا اليوم مع انه عطلة!..

- اجل.. جافاني النوم فنهضت لأعد بعض القهوة!..

ثم اعدت ابصاري نحو غليان القهوة من دون تعليق اخر...اقتربت مني لتحدق بي بصمت فألتفت اليها لأجد ذلك القلق المرتسم فوق ملامحها المقتضبة وهي تقول لي:

- لازالت ب ملابس الامس ذاتهم؟؟...ووجهك شاحب...هل نمت جيداً؟!..

- لا تقلقي امي انا بخير!..

زفرت بضيق وتمسكت بالصمت عدة لحظات قبل ان تردف بنبرة جافة لتطرح كلمات كانت تكتمهم بصدرها منذ الأمس:

- ابقى خارج هذا الامر يا يوسف!..

قطبت حاجباي وانا التفت اليها لأقول:

- عن اي امر تتحدثين؟!..

- علياء!..

اطفأت نار الطباخ ولكن نيراني انا استعرت وانا التفت اليها واقول باستنكار:

- تريدين مني ان اتخلى عنها؟؟!!..

فاندفعت كلماتها لتبرير وجهة نظرها فوراً:

- ليس ان تتخلى عنها عزيزي...ولكن كمال قال انه سيتولى هذا الامر فما فائدة اقحامك بالأمر؟!..انت تعلم ماذا ستفعل الحكومة بالمتورطين بالثورة او من يساعدون الثوار بأي شكل من الاشكال!..

عصرت قبضتي بقوة محاولًا التحكم بغضبي وانا اجيبها باستياء:

- من الجيد انك تدركين ماذا تفعل الحكومة بالثوار ..إذاً  تدركين جيداً ماذا سيحصل ان وقعت هذه الصغيرة بين ايديهم!.. وتطلبين مني ان اتخلى عنها؟؟!!..

- يوسف!...انت ابني الوحيد ..ولن اتحمل خسارتك بسبب اخطائها هي!..

حاولت قدر الامكان ان اتحكم بأعصابي امام هذه الكلمات وان لا اصرخ بأعلى صوتي مطلقا اًلعنان لغضبي فتسمع اميرتي هذا الحوار الذي سيؤذيها وهي تشاهد ان الجميع يقف ضدها حتى في اسوأ حالاتها واحتياجها!.. اشتعل وجهي بالنيران وانا اقول لأمي:

- انا بالفعل لا يمكنني تصديق انحطاط تفكيركم وأنانيتكم!..

قطبت امي حاجبيها بغضب وهي تهتف بي:

- هل فقدت عقلك؟.. كيف تخاطبني بهذه الطريقة؟..

- اجل فقدت عقلي!...بسببكم وبسبب قسوتكم واذيتكم لها التي لا يمكنني الى الان ان اجد لها مبرراً..

- انت تعلم جيدا اًني لم اؤذي علياء في يوم!..

- ولكنك تجاهلتها!...هذا لا يجعلك الطرف الجيد بين البقية.. والان تطلبين مني انا ايضا اًن اتركها واتخلى عنها؟؟!!..

- لم اطلب منك تركها لولا تأكدي من ان كمال قادر على تولي الامر بمفرده ولن يصيبها مكروه!..

- حتى وان كان كذلك...انا لن اتخلى عن علياء امي!..

ثم اقتربت منها وانا اقول بنبرة اقرب الى التهديد:

- وان اخبرتني ابي بخصوص الثورة كي تجعليه يبعدني فسأخذ علياء واخرج من المنزل ومن المدينة نهائيا ولن يتمكن اي احد من ايجادنا.. لذلك لا تضطريني الى فعل ذلك امي!..

ثم تركتها وخرجت من الم طبخ وشيء ما يحترق بداخلي جعلني لا اريد رؤية سواها في هذه اللحظة....عليائي!..

فتحت باب الغرفة ووجدتها تجلس بهدوء على طرف السرير تحدق من خلال نافذتها بضياع!.. ادارت رأسها قليلًا نحو الجانب باتجاهي ليتعانق بصري المستغيث بنظراتها الخائفة!..

اقتربت من السرير وجلست بجوارها لتلتف الي بنظرات ضعيفة على وشك البكاء.. وكأنها تحاول ايصال حروف صامتة اعجز عن فهمها!.. مددت يدي لتستكين فوق خدها بلطف وقلت لها بهدوء:

- هل انتِ بخير؟!..

استمرت بالنظر الي بتلك العيون التائهة من دون ان تعلق بشيء.. انا بالفعل لا افهم ما الذي تحاول ايصاله بالضبط...ولكن ما اعلمه انها عاجزة عن البوح به!.. ضممتها الي برفق هذه المرة وهمست لها قائلًا:

- لا تتركيني يا علياء...لا تجعليني افقدكِ ارجوكِ!..

احاطتني بذراعيها بقوة لتجهش ببكاء لم افهم سببه...وكل ما فعلته اني ضممتها الي اكثر اشاركها به من دون ان افهم سبب بكائي انا ايضاً.. ولكن كلانا احتاج لبعضنا الاخر فحسب!..

مر اليوم بغرابة...علياء كانت صامتة بملامح مبهمة لم افهم معناها وكأنها تنتظر شيء ما على وشك الحصول!...نظرات غريبة ترمقني بها كلما جرى اتصال بيني وبين كمال... نظرات شفقة وهي تراقبني احاول فعل المستحيل للحفاظ عليها...نظرات لم افهم سببها إلا لاحقاً!..

 (يوسف)

قدت سيارتي بحذر شديد خشية التسبب بحادث!.. فأنا احتاج هذا الحذر وسط عقلي الذي لم يكن يدرك ما الذي امامه بالضبط.. وكل ما هو مرسوم هو صورتها فقط!.. تلك العيون التي لطالما تشابهت مع البحر في لونها قد ادركت اليوم انها امتلكت اسراره ايضاً!...اميرتي الصغيرة لم تعد كذلك بعد الان.. لم تعد تلك الطفلة سريعة البكاء. .سريعة الاستسلام ..مفضوحة الافكار بالنسبة لي!!..

اصبحت شخص لم اعرفه من قبل...ولكن بالرغم من ذاك لازال قلبي يعشقها كما لو كانت تلك الطفلة ذات الخمس سنوات التي تلتجأ لي في كل ليلة كي اثبت لها ان النوافذ مغلقة دون ان ادرك الغاية من ذلك!!...
دعست قدمي على الفرامل فوراً وانا اوقف السيارة بجانب الطريق...لم يعد لدي القدرة على الاكمال وجسدي وعقلي يرفضان مطاوعتي وكل شيء بي مشتت....استندت برأسي بتعب فوق المقود ونزلت دمعتان من مقلتاي لتلتقيا عند قمة انفي لتنزلا بثقل نحو حجري!....انا بالفعل احتاج للبكاء.. للصراخ.. لتحطيم كل شيء حولي...ولكن جسدي ضعيف في هذه اللحظة....ضعيف اكثر من اي وقت مضى!...احتاج فقط ان اسجن نفسي داخل غرفة دون ان اسمع فيها صوت احد وابقى اتعذب وسط افكاري واعزي نفسي بنفسي... لأدرك الان فقط تصرفات علياء الغريبة في الماضي وانعزالها بشكل مفاجئ وبكائها من دون سبب احياناً.. تلك الصغيرة كانت تتعذب وسط فرحتنا.. تصرخ اثناء نومنا...تبكي ونحن مشغولين باستمتاعنا....لا احد منا قد احس
فعلًا بما عانته تلك الصغيرة!!..

رفعت رأسي دفعة واحدة واعدت تشغيل السيارة لأنطلق بها بسرعة غير تاركا مًجال لمشاعري لأن تسيطر علي في هذه اللحظة.. فثانية واحدة ستكون اللحظة الحاسمة التي سنقرر ابقاء علياء حية او تسلبها منا!..

وصلت الى المزرعة ولكني وقفت على بعد بضع مترات عن البوابة لأتصل بعمتي... استمعت الى رنين الهاتف واصبعي ينقر بتوتر فوق جلد المقود ولم يستكين ألا بعد ان سمعت صوتها يلقي التحية بلهفة لأقاطعها انا بحزم:

- لا تنطقي اسمي عمتي!..

سكتت العمة لثواني مستغربة هذا الطلب لأردف انا فوراً:

- أهناك أحد بجواركِ؟!..

- لا!..

تنهدت بارتياح لأقول:

- جيد !...انا اقف عند البوابة الخارجية...تعالي لتقابليني دون ان تثيري انتباه احد بخروجك ولا تخبري أياً كان اني كنت المتصل!..

ختمت كلامي واغلقت الهاتف وانتظرت خروجها الذي لم يستغرق اكثر من دقيقتين!.. فتحت باب المقعد الامامي واول ما جلست التفتت الي بقلق لتقول:

- ماذا هناك يا يوسف؟.. هل حصل شيء؟.. هل علياء بخير؟..

واول ما سمعت اسم عليائي حتى احسست بوخزة كهربائية في قلبي ستدفع الدمع داخل عيني.. ولكني ادعيت التماسك كي لا ابث الخبر المفجع بشكل مفاجئ لعمتي لأخبرها ان صغيرتها على وشك رمي نفسها في ذات الهاوية التي احتوت جثمان اختها الصغيرة سلوى!...


المصدر: ponyponyyy

إكتشف محتوى اكثر

تعليقات

  • SaLma Belymam

    طيب ليش الجزء الاخير تكرر ؟

  • اميرة بشخصيتي

    يووو الجزء الاخير من هذا الجزء مكررر...لماذا ؟؟؟

إكتشف محتوى اكثر
افتحي Hayaa للمشاركة في المزيد من المواضيع النسائية
فتح

تحميل تطبيق Hayaa

لإدارة صحة فترة الدورة الشهرية ، شاركي في المواضيع الخاصة بالمرأة

Google play
App store

تم النسخ