رواية: عذابي الصامت - الفصل التاسع عشر

الفصل الأول👉

الفصل الثانى👉

الفصل الثالث 👉

الفصل الرابع 👉

الفصل الخامس 👉

الفصل السادس 👉

الفصل السابع 👉

الفصل الثامن 👉

الفصل التاسع 👉

الفصل العاشر 👉

الفصل الحادى عشر 👉

الفصل الثانى عشر 👉

الفصل الثالث عشر 👉

الفصل الرابع عشر 👉

الفصل الخامس عشر 👉

الفصل السادس عشر 👉

الفصل السابع عشر 👉

الفصل الثامن عشر 👉

-19-

وداعا

 (يوسف)

أتعلمون ما الص دم ة؟؟..هو ان تبحث بجانب اعمى عن شيء ما قد ضاع منك وفجأة تجده يقول لك "انظر!.. انه بجانب تلك المنضدة"..

او ان تجلس بجوار اصم لتمتم مع ذاتك "يا له من يوم جميل!" ليصدمك بالرد "نعم.. انه بالفعل كذلك!"...

ولكن الصدمة الاكبر هو ان تهتف بك خرساء "لا تتدخل انت بالأمر يا يوسف!"...

الصدمة ان تكتشف ان حبيبتك البريئة كاذبة ببراعة!...مجرمة بدم بارد!...ان تلك الزهرة التي كنت تحميها من نسمات الهواء الرقيقة ما هي ألا مجموعة اشواك يخشى الهواء ان يلمسها!...ان تثبت لك انه بالفعل ان مقولة (داخل كل انسان تعرفه...انسان لا تعرفه!) هي مقولة صحيحة...

اختل توازني للحظة وانا احدق فيها بصدمة وعدم استيعاب.. كما يفعل البقية تماماً!....غصت داخل عينيها احاول التماس اي تفاجئ من نفسها لأنها نطقت...ولكن الامر بدا اعتيادياً لها!!...عينيها الباردة...نظراتها القاسية....انا....لا اعرف من هذه التي امامي!.. قلت بنبرة اقرب الى البكاء غير مصدق ما حصل وما يحصل:

- علياء؟!..

نعم هي كلمة واحدة...لم اقل اكثر منها.. ولكنها صدرت بنبرة عكست مدى استنكاري واستغرابي ..مدى صدمتي بها!!.. لم يجيبني صوتها بل كان صوت قائدهم وهو يسأل حراسه مشاركا اًياي ذات صدمتي واستنكاري:

- ظننت ان التقارير افادت انها خرساء؟!..

ليجيبه احد حراسه بتشتت:

- من المفترض ذلك سيدي!..

- على اية حال.. احضروها!..

التقطت اذناي كل الحديث.. ولكن جسدي عاجز عن الحركة.. عاجز عن التنفس.. عاجز عن القيام بأي شيء!.. كنت اركز عيناي داخل عيناها الباردة فقط.. هل حقا فًعلتي هذا بي يا علياء؟.. بل.. أهذه بالفعل انت؟!..

تسمرت في مكاني من دون اي ردة فعل او كلمة اخرى...شاهدتهم يسحبوها من يدها بعنف ليأخذوها.. ولازال جسدي في سباته يرفضان يطيع أياً من اوامر عقلي!.. مرت معهم بالقرب مني لتنطلق شفتاها بهمسة نادمة وتذرف عيناها دمعة ثقيلة نزلت بمفردها من دون باقي رفيقاتها:

- سامحني!..

كانت تلك الكلمة الوحيدة التي نطقتها قبل ان يغلفوا وجهها بالكيس الاسود ليقودوها معهم!!..

بقيت اركز بصري امامي يبث لي عقلي كل لقطات الماضي ويربطها ببعضها محاولًا فك بعض ال شيف رات...ولكن قلب ي استمع لها واعتصر بقوة!...تمزق.. احترق.. نزف... ثم مات بصمت بعد ان ابعدوها عني!.. لم اشعر بشيء بعدها.. لا بالوقت.. ولا بما يحيطني ..لم ينتشلني من سباتي المؤقت سوى يد امي التي تديريني اليها وتأمرني بحدة كي استوعب ما تقول:

- اركب سيارتك واتبع سياراتهم فورا.. عليك ان تعرف في اي سجن سيحتجزونها وألا لن تعرف ذلك ابداً..

كانت كلماتها بالنسبة لي كدلو ماء بارد سكبوه فوق نائم في منتصف شهر ديسمبر!....كلمات كافية لتحفز خلايا عقلي وتجعله يرسل الاوامر المطلوبة نحو جسدي كي اركض خلفهم!..

عندما وصلت اسفل البناية كانوا هم قد ركبوا لتوهم داخل سياراتهم لينطلقوا بها كرجال عصابات! فركبت سيارتي فوراً وانطلقت خلفهم بسرعة جنونية.. يد استند بها فوق المقود ويد اخرى اعبث بهاتفي الى ان وصلت الى اسم كمال....كانت ثلاثة رنات لا اكثر حتى اجابني ولكني شعرت وكأنها ساعات مرت دون ان يرد علي فهتفت به فورا مًن دون اي مقدمات:

- لقد اخذوها!..

كانت تلك الجملة الوحيدة التي نطقتها واغلقت الهاتف بعدها دون ان ارد على اتصاله او اتصال البقية وركزت بصري خلف سياراتهم السوداء فقط!!..

مئات الافكار والتشاؤمات تخاطرت الى عقلي ولكني حاولت بصعوبة ركنها جانباً كي لا اتسبب لنفسي بحادث في هذه اللحظة يجعلني افقد اثرهم...لأفقدها الى الابد!..
لا اعلم كم اس تمر الطريق ولا اعلم بالضبط الى اين اتينا...وصلنا الى طريق صحراوي خالي من الامتداد السكاني...لاوجود للناس.. لاوجود للمنازل.. بل وحتى كلاب الشوارع الضالة تخشى الوصول الى هنا!..

لمحت من بعيد بناية ضخمة تحيطها مصابيح عالية وتحوط اسوارها اسلاك شائكة.... انه السجن التابع لقوات الدولة الخاصة!... في هذا المكان بالضبط تم اعدام سلوى ومازن... وعذبو حبيبتي!..

دخلت سياراتهم من البوابة الحديدية الضخمة ولكنهم منعوا سيارتي انا من الدخول!.. ترجيهم؛ توسلتهم؛ تشاجرت معهم...ولكن الجواب واحد "ممنوع الدخول"...

لمحت من بعيد مجموعة من الناس...نساء تبكي ورجال تتوعد!.. جميعهم لديهم عزيز خلف هذه الاسوار مصيره الموت!.. اقتربت لأقف بالقرب منهم وسألت احدهم بقلق لعله يطفئ بعض نيراني:

- سيدي؟!..منذ متى وانتم هنا؟

رفع رأسه الي ليرمقني بشفقة من خلال عيونه الدامعة واجابني بصوت مبحوح من كثرة البكاء:

- نحن على هذه الحال منذ اسبوعين يا ولدي ولا نعود لمنازلنا إلا نادراً..

- أهناك فرصة ان تقابلوا من في السجن؟!..

اشار برأسه بالنفي ودمعتين تنزلان بقوة من عينيه لأشاركه بكائه هذا وانا اجلس بالقرب منه على ركبتي مسلوب القوى بينما اسأله:

- أليس هناك اي فرصة كي يسمحوا لنا برؤيتهم؟!..

- بل هناك!..

انبعث بعض النور في قلبي وانا اسأله بلهفة:

- متى؟؟!!..

فأشار بيده بعيداً وهو يقول بنحيب:

- عندما يأخذوهم الى هناك!..

تتبعت بعيناي مسار يده ليقع فوق.....منصة الاعدام!!..
توسعت عيناي على اوسعها وانا التفت اليه وجسدي كله يرتجف بينما اقول في محاولة فاشلة لأقناع نفسي:

- ولكن...لكن التهمة....التهمة لم تثبت بعد عليها.. بشكل ك امل !..

كنت انطق كلمة وتختفي الاخرى بشهقة خائفة كطفل اتعبه البكاء وتقطع صوته.. فربت ال رجل فوق كتفي بمواساة وحالته اسوأ مني بينما يقول لي:

- يا بني...لا احد يدخلوه لهذا السجن ويخرج حي.. هذا مستحيل....الذين مصيرهم الاعدام فقط يحضروهم الى هنا!..

ضربت يده لأبعدها عن كتفي بينما اقف منتفضا وانا اهتف به:

- انت كاذب!

ثم تركت عيونه المشفقة على حالي ورحلت بعيدا عنهم... كيف يجرؤ؟.. كيف يقول انها ستموت؟.. لابد انه رجل مجنون...اجل مجنون...فعليائي انا لن تموت...لن يحصل لها شيء......لن يحصل!!..

ساعة كاملة وانا اردد هذه الافكار على عقلي كي ابقى متماسكاً.. كي لا انهار واصاب بالجنون....كي لا اموت واتركها!!..

لم تكن ساعة بالنسبة لي.. كانت كالأيام!.. انها اطول 60 دقيقة تمر علي طوال حياتي كلها!..

- يوسف

رفعت ابصاري ومنعتني دموع ي من تمييز الشكل ولكني ميزت الصوت...انه سامي...ولكن هناك من معه.. اقتربوا اكثر مني مسرعين لأشاهد عمي كمال وجدي معه....

ومع استيعاب عقلي للوضع انطلقت انا اليهم قبل ان يصلو الي...ليس لاستقبالهم...بل كأسد جائع وجد فريسته... جدي!..

من عيناي النارية عرف سامي ما اخطط له فأسرع الي ليضم جسدي اليه يمنعني من التقدم اكثر بينما يهتف بي:

- اهدأ يا يوسف!..

فصرخت بجدي بينما احاول تخليص جسدي من سامي وافشل لاسيما بعد ان انضم العم كمال اليه ليمسكني:

- كيف تجرؤ وتحضر الى هنا؟؟...كل هذا حصل بسببك.. كيف تجرؤ؟؟!!..

قلب ابصاره الدامعة داخل عيناي...ولثاني مرة في حياتي اشاهد جدي بهذا الضعف...فرفعت اصبعي بوجهه مهدداً وكل ملامح وجهي تغيرت من الغضب:

- اقسم لك ان حصل لها شيء او فقدتها فسأجعلكم تندمون جميعاً..

فدفعني العم كمال بعنف وهو يهتف بي لأصمت:

- يوسف!...الوقت ليس ملائما الان لهذا الكلام...المهم هو علياء فقط!.

فنظرت نحو كمال لأفرغ بقية عصبيتي به وانا اصرخ بوجهه:

- لماذا احضرته وانا قد اخبرتك بكل شيء عنه؟!..

- لأنه الوحيد القادر على ادخالنا خلف هذه الاسوار...لديه بعض المعارف!..

نظرت الى جدي بكره لأول مرة بحياتي ثم اشحت وجهي على مضض متجاهلاً وجوده فقط كي اتمكن من الدخول اليها!..

سار جدي وسرنا نحن خلفه وبين ثانية واخرى يعصر سامي كتفي برفق يشجعني على التماسك اكثر وهو يرى دموعي المستمرة بالنزول بصمت!..
كيف عساي ان اتماسك وانا اتخيلها وحيدة الان بينهم... اتخيلهم يضربوها... لازالت اثار التعذيب التي في جسدها محفورة في عقلي...اثار لم تمحيها السنين... اثار تركوها على جسدها بشكل وحشي وهي طفلة...فماذا سيفع لون وهي بالغة؟؟...اي تعذيب سيخضعونها له؟....عليائي انا... مدللتي الصغيرة.. اميرتي.. يضربوها؟!.. بعد هذا كله كيف عساي ان لا ابكي؟!..

وقفنا انا وسامي مسافة بعيداً عن كمال وجدي بينما كان الاخير يجري اتصالا ما لبعض معارفه....ما هي ألا دقائق حتى فتحو البوابة ليسمحو لنا بالدخول!.. علي ان اعترف انها المرة الاولى في حياتي التي اخاف بها بهذا الشكل...كان المكان من الداخل مرعباً...أضاءته خافته.. حراسه يحدقون بنا من بعيد بنظرات بارد...كلاب تنتظر على اهبة الاستعداد اوامر اسيادها لتهجم علينا...اصوات صرخات بعيدة جعلت قلبي ينقبض فورا وانا اتخيل لربما كانت عليائي من ضمنهم...ولكني لم اعد ابكي...فجأة جمد الخوف دموعي
داخل مقلتاي!..

تقدم الينا شاب في بادئ العشرينات له عيون باردة وقال لنا بهدوء:

- تعالوا معي..

تبعناه نحن الاربعة دون ان يجرؤ احدنا على سؤاله الى اين او اضافة اي تعليق مهما كان بسيطاً على كلامه... فبداخل هذا المكان هناك حكومة اخرى...ان ارادوا قتلك او تعذيبك فلن يمنعهم احد ولن يحاسبهم احد...وكأنهم دولة مستقلة عن العالم الخارجي!.. تبادلنا انا وسامي النظرات الصامتة الخالية من اي كلمات ولا تحمل اي توقع سوى التشاؤم!.. ظننت ان داخل البناية افضل من خارجها.. ولكنه كان اسوأ!..

برودة الجو كانت اقسى من برودة المتواجدين فيه... ورغم انه مليء بالإضاءة ولكن كنت اشعر به حالك الظلام!.. توقف ذلك الشاب فجأة وسط الردهة والتفت الينا ليقول ببرود:

- انتظروا هنا..

ومرة اخرى نفذنا امره من دون تعليق.. ادرت بصري في الارجاء ليقع على بعض الجنود الذين ينظرون الينا ببرود وسخط لانعرف سببه...فأشحت وجهي عنهما وجذب انتباهي صوت اثنان مرا من جانبنا لأسمعهما يتحدثان ببساطة كما لو كانا يتحدثان عن احوال الطقس:

- ليتك رأيت وجهه عندما اطلقت عليه الكلاب!..

كانت تلك هي الجملة الوحيدة التي سمعتها قبل ان اشعر بأقدامي ترتخي فوراً تكاد تسقطني ارضا...تمسكت بيد سامي فورا وانا اعجز عن التنفس.....علياء!!..يا اللهي...انا عاجز حتى عن التخيل ..انا سأم وت قبل ان يبدأ تعذيبها حتى!..اسندني سامي فوراً وهو يقول لي بقلق:

- أأنت بخير؟!..

عضضت شفتي السفلية بألم واطلقت سراح دموعي ففهم اني سمعت عبارتهما.. فضغط على يدي داخل يده وهو يقول:

- تماسك يا يوسف!...بالتأكيد ستكون بخير ولن يصيبها مكروه!..

قطع حديثنا انا وسامي وقوف رجل بمواجهة جدي في الستين من عمره قاسي الملامح وشديد النظرات!...وعلى ما يبدو انه من يعرفه جدي فأول ما وقف قال له جدي بشيء من العصبية:

- لما أخذتموها يا توفيق؟!..هذا لم يكن اتفاقي مع جلال!..

فأجابه توفيق بنبرة ذات معنى:

- تقصد المرحوم جلال!..

- بأي تهمة تأخذونها؟!..

- بالقتل!..

كانت كلمة اقشعرت لها ابداننا فوراً.. علياء؟!..هل يعقل؟!.. ام انهم يحاولون الصاق التهمة بها فقط؟!...قطع علي صوت جدي استنتاجاتي وهو يتحدث لتوفيق:

- وهل لديكم دليل على هذا؟!..

وفجأة اخترقنا صوت لم يكن من ضمننا:

- هل تكفيك البصمات واعتراف المتهمة بجريمتها؟!.

التفتنا جميعنا نحو ذلك الشاب الثلاثيني الذي يشغل نفسه بمسح نظارته الطبية يقف على مسافة منا....كانت ملامحه تبدو مألوفة بشكل ما...انه يشبه احدهم...ولكن لا ا ذكر من بالضبط!..

اكتنفنا الصمت للحظات بينما انهى مسح نظارته وتقدم الينا بثبات ونظرات ثاقبة!.. وقف امامنا وهو يكتف يديه خلف ظهره واكمل جملته:

- اظن ان هذه ادلة كفاية لتثبت الادانة!..

فسأله جدي باقتضاب

- ومن تكون انت؟!..

فأجاب توفيق بدلاً منه وقد احسست بالاحترام بنبرته وهو يتحدث عن هذا الشاب:

- انه الضابط المسؤول عن التحقيق مع علياء.... السيد عادل خليل!..

فقال ذلك المدعو عادل بحقارة:

- دعنا لا نكون لطفاء هكذا سيد توفيق!..

ثم نظر الينا وبالأخص الي وهو يكمل:

- انه يقصد الضابط المسؤول عن تعذيب علياء لحين تعترف ببقية جرائمها!..

وهنا كانت اللحظة التي فقدت فيها اعصابي وانا اتقدم اليه بخطوات غاضبة واهتف به:

- اياك وان تلمس منها شعرة!..

اوقفني سامي وكمال عن اكمال بقية خطواتي واوقف عادل جنوده الذين اسرعوا الينا بحركة من يده يطلب منهم عدم التدخل من دون حتى ان يلتفت اليهم...تقدم خطوة مني وقالت بابتسامة:

- لقد امتلكني الفضول بالفعل...ما الذي ستفعله يا ترى ان مسست منها شعرة؟!..

عصرت قبضتي بقوة وتمنيت لو ان سامي يطلق سراح يدي لألكم عادل.. فخوفي على علياء قد جعلني افقد عقلي بالفعل لا اهتم ابداً بالتهور الذي ارتكبه وسط هؤلاء الوحوش!..
قلت له بكره وعيناي اثبتهما بثقة داخل عيناه:

- مهما علا منصبك...ومهما احطت نفسك بالحماية... فأني سأجدك...وسأقتلك!...فإياك ان تمس منها شعرة واحدة.. هل فهمتني ايها الوغد؟!..

حسنا.. عبارتي الاخيرة قد قلتها وانا واثق انهم سينقضون علي بالضرب وادخالي الى السجن...ولكني لم ابالي!.. ولكن ما اثار دهشتي ان ذلك ال عادل بقي يحدق بعيناي بنفس الابتسامة من دون ان تغيظه اهانتي بأي شكل من الاشكال ..فقال توفيق بعصبية:

- اضبط لسانك ايها الشاب وألا حرمناك منه الى الابد!..

لم اهتم بتوفيق كثيراً بل ولم التفت اليه من الاساس.. ابقيت عيناي النارية داخل عيون عادل الباردة منتظرا اجابته...ولكنه لم يعلق على ما قلت بل قال ببرود وحزم:

- انصحكم بالمغادرة الان...فأنا لن اسمح لكم برؤيتها اليوم .. ولكني سأسمح لواحد منكم فقط بمقابلتها غداً..

قال جملته الاخيرة واستدار را حلا ً من دون الاستماع لتعليقاتنا واعتراضاتنا.. ذاهب لحبيبتي...ليضربها.. ليعذبها... ذاهب لينفذ حكم الاعدام بي انا وليس بها هي!!..

جلسنا مرة اخرى خارج البناية ننتظر مع البقية ونشاركهم بكائهم وتوعدهم!...ولكني كنت صامتاً...الطاقة الوحيدة التي في جسدي قد خصصتها للبكاء الصامت فقط!...لم اشاركهم حديث...لم انظر اليهم...فلا اريد من عيناي ان تقع على جدي لأفتعل معه مشكلة نحن في غنى عنها في الوقت الحالي!..

لم اراقب في ليلتها سوى السماء.. دعوت من يسكنها ويسكن كل مكان ان يكللنا برحمته ويحفظ حبيبتي من اجلي.. فعقلي مستعد
ان يفقد اي شيء عداها هي...انه شيء لا يمكنني حتى تقبل تخيله!..

حسبت الساعات؛ الدقائق؛ الثواني...ما بالها الشمس لا تشرق؟!..اكاد اموت وهي لاتزال بسباتها!...لا اعرف كيف قضيت ليلتي ..ولا اعلم كيف قضت حبيبتي ليلتها...ولكني واثق اننا قضيناها بعذاب وبكاء!!..

اشرقت الشمس واخيراً فقمت من مكاني وتركت الجدار الذي كنت استند عليه ووقفت بمواجهة البوابة بانتظار ان يفتحوها لي كي ادخل لرؤية عليائي!..

شاركني سامي وقوفي وهو يربت على كتفي برفق ويقول:

- عليك ان تت حلى ببعض التماسك يا يوسف!..

اغمضت عيناي بتعب فأنزلت ما تحويه من دمع وقلت بصوت مهزوز:

- لم يعد لدي تماسك يا سامي!.. كيف اتماسك وهي بينهم؟!..

- اعرف ان الامر ليس سهلا..ولكن عليك ان تتماسك من اجلها..عليك ان تكون اقوى لتعرف كيف تخلصها من هذا المأزق!..

نظرت اليه بضعف ودموع اخرى تسقط على وجهي.. فكلانا يعلم جيدا انها لن تتخلص مما هي فيه ألا بمعجزة.. وان علياء بدأت تخضع للعد التنازلي في ايام حياتها!...ولكننا لانزال ننكر هذه الحقيقة ونحقن عقولنا بكلمات مستحيلة كي تبثنا بعض الامل!..
فجأة فتحت البوابة فألتفت اليها بلهفة لأجد الشاب ذاته الذي ادخلنا الأمس...اول ما خرج نادى:

- يوسف خالد؟!..

فتقدمت اليه بلهفة يتبعني سامي وجدي والعم كمال وقلت له وضربات قلبي تكاد تتوقف:

- نعم...انا هو..

- اتبعني...السيد عادل يريدك..

تبعته فوراً وبالطبع قد منع دخول البقية معي!.. تم اغلاق البوابة من بعدنا وتجولت ببصري في الارجاء كما الأمس.. ولكن اليوم الرؤية كانت اوضح من الليل!.. وصلنا الى الداخل لأجد عادل ينتظرني حيث التقينا الأمس واول ما وصلنا تقدمنا في المسير فتبعته بصمت وذلك الشاب قد تركنا!..

نزلنا من سلم طويل وخافت الاضاءة ادخل لنفسي الرعب الشديد.. وما هي ألا ثواني قليلة حتى امتلأ تجويفي الانفي برائحة كريهة جدا....رائحة الدم مم زوجة بروائح اخرى لم اعرفها!..

وصلنا الى ممر طويل وعريض تقبع الزنزانات على كلا جانبيه.. وكل زنزانة تصدر اصوات مختلفة...بعضها يعود لرجال.. واخر لنساء...وبعضه.. ل أطفال !..

شعرت بكل جزء من جسدي يرتجف...لم يعد هناك اي دم في عروقي...توقف قلبي عن النبض وارتكز في وسط حنجرتي!.. تخيلت علياء الصغيرة وسط صرخات الاطفال هذه... علياء ذات الخمس سنوات التي شاهدت اعدام ا بويه ا.. وشهدت تعذيبهم.. وتعذبت معهم!!.. هذا السجن حوى اسرار طفولتها التي اخفتها عنا.. حمل عذاباتها التي كتمتهم في صدرها وكتمت صوتها معهم!..

- ممنوع الاقتراب من السجينة...أهذا واضح؟!..

التفت بعدم فهم لعادل الذي وقف امام احدى الزنزانات فأكمل فوراً:

- ستجلس على الكرسي المقابل لكرسيها فقط...ممنوع ان تلمس يدها...ممنوع ان تسلمها شيئا.. ممنوع التهامس ٬لغات العيون ٬الكلمات المشفرة والكلام غير الواضح....هل ما اقوله مفهوم؟!..

اومأت من دون تعليق وقلبي قد استيقظ فجأة ليقرع ط بول ه بشدة ويجعل جسدي كله يرتخي وانا احدق بباب الزنزانة حيث تقبع اميرتي خلفه!.. فتح الباب فأصدر صوتاً مزعجاً جعل شخصا ما يرفع رأسه قليلا باتجاهنا......اجل شخص ما....شخص لا اظن اني رأيته من قبل!..

قادتني قدماي بضعف من دون ارادة مني نحو الداخل.. مشيت باهتزاز نحوها وانا انظر اليها بصدمة وعدم تصديق!.. مجرد ليلة واحدة....ليلة واحدة لا اكثر وقد غيروا لها تضاريس هيئتها .. شعره ا مبعثر...وجهها مليء بالكدمات.. يديها مقيدة خلفها...عينيها مخفية تحت لكمة سببت لعيونها الجميلة زرقة تحيطها وت ورم منعها من فتحهما بشكل كامل ...جسدها ينزف من كل مكان.. فمها ينزف.. انفها ينزف.. رأسها ينزف.. انها عبارة عن بحر من ال دماء واللكمات.. ولولا انه احضرني بنفسه اليها لما كنت قد صدقت ان هذه هي عليائي ذاتها!..

سمعت انغلاق الباب بقوة من خلفي ولكن جسدي لم ينتفض.. بقينا انا وعلياء كلانا يحدق بالآخر بصدمة من دون ان نبدي اي حركة.. نظرات كلانا تعاتب وتلوم بصمت...وتشتكي!.. فجأة اخترق سكوننا دموع علياء وهي تقول بصوت ضعيف ومتعب:

- انا اسفة يا يوسف....اسفة!..

ومع جملتها هذه تهاوى جسدي مرة واحدة فوق الكرسي المقابل لها تفصل بيننا الطاولة الحديدية.. انزلت رأسي نحو الاسفل لتنزل دموعي بقوة لا اجرؤ على النظر اليها وارى اثار التعذيب عليها وعاجز عن انقاذها مما هي فيه...لأشعر بطعنة قوية تتوجه لرجولتي وحبيبتي بين ايديهم وانا مكتوف الايدي لا املك اي وسيلة لأنفاذها!..

اكتنفنا الصمت لثواني اخرى لا اجد الحروف المناسبة لأجمعها معا الى ان قالت علياء بنحيب تحثني على قتل صمتي هذا:

- بحق السماء قل شيئا ولا تبقى صامتا بهذا الشكل...هذا يقتلني!..

رفعت اليها رأسي دفعة واحدة وانا اقول لها بلوم من وسط دموعي:

- بل انت من قتلتني يا علياء!..

تجمدت عن الحركة وعن الكلام ودموعها هي الشيء الوحيد الذي يتحرك بها وهي تحدق بي وانا اكمل ملامتي:

- كيف استطعتِ ان تفعلي بي هذا يا علياء؟!...كيف تمكن قلبك من خداعي طوال هذه السنوات؟!

هزت رأسها بيأس وهي تقول:

- لا يمكنك ان تفهمني ابداً!..

فأجبتها بعصبية:

- نعم انا لا انكر...لا يمكنني فهمك ابداً...انت شخص لا اعرفه...لست من اعتنيت بها طوال سنين...اليوم فقط قد عرفت من انتِ بالفعل!..

فنظرت لي بنظرة حادة وهي تقول:

- اكمل!..

ولكن حروفي عجزت عن الخروج فأكملت هي:

- مجرمة وكاذبة...أليس كذلك؟!..

ولما رأت صمتي صرخت بوجهي بعصبية رغم دموعها:

- انظر حولك جيدا يا يوسف...انظر الي ..انظر اين انا وما حل بي...أهذه اشياء بإمكانك ان تنساها؟!...ان قتلوني الان أيمكنك ان تنساني وتغفر لهم ما فعلوه بي؟!..هل ستمحو السنين حبي من داخلك؟!..

وهنا توقفت عن فعل اي شيء اخر وركزت بحروفها فقط.. هل سأفعل؟!...هل ستنسيني السنين عليائي وما فعلوه بها؟!..بالتأكيد لا!...لم تمضي سوى ساعات قليلة وانا اتوعد عادل بالقتل ان حرمني منها...فقدت عقلي وانا لم افقدها بعد...فكيف بالذين فقدتهم هي؟!..

اصبت بالخرس فوراً امام الحروف التي نطقهم فمها بعد سنين من الكتمان!.. استمعت لبقية كلماتها المم زوج ة ب الدموع والملامة:

- ما عانيته داخل هذا السجن من المستحيل ان يتخيله احد!.. مجرد طفلة!...طفلة بالكاد قد بلغت خمس سنوات يا يوسف قد جردوها من كل طفولتها...ضربوها.. عذبوها.. اخافوها...ومن ثم اجبروها ان تشاهد كيف يعدمون ا بويه ا امامها ومن غير المسموح لها ان تشيح بصرها عنهما!....هل يمكنك تخيل شعور طفلة يجبروها ان تشاهد قتل ا بويه ا؟!.. أيمكنك ذلك؟!..

ثم اكملت بعصبية بصوتها المهزوز:

- ولكن ماذا فعلتم انتم بتلك الطفلة التي استجارت بكم من ألم السجن وفقدان ابويها؟!....انتم نبذتموها!.. نعتموها بالخرساء وغريبة الاطوار.. صاحبة الدم الملوث.. علياء اليتيمة.. ابنة السائق الثوري!..

ثم هتفت بي بصوت اعلى:

- والان تلومني لأني قررت الانتقام لأداوي جروحي التي لم تفكروا يوما بتقطيبها من اجلي؟!...من منكم سألني عما حصل لي هنا؟!.. من منكم حقق في ماضي الذي كتمته بداخلي؟!....كل ما تعرفونه عني وعن معاناتي هو لا شيء مقارنة بما حصل لي بالفعل!...

كسرتها دموعها ومنعتها عن الاكمال فأشاحت وجهها عني باستياء ودموعي انا تعلن ضعفي الواضح وقلة حيلتي في هذه اللحظة!...

اكتنفنا الصمت مرة اخرى وكلانا يشيح بصره عن الاخر لا يريد من نيران قلبه الموجوعة ان تلهب عزيزه!.. صمت لم يطول حتى كسرته انا بسؤالي الذي يتآكلني منذ الأمس لأعرف جوابه:

- منذ متى؟!...

نظرت الي باستفهام لأكمل فوراً:

- صوتكِ....منذ متى؟!..

حدقت داخل عيناي ثواني بجمود ثم قالت ببرود:

- انا لم افقد النطق طويلاً...استعدته بعد قدومي اليكم بثلاث سنوات!..

لم تكن صدمتي عندما اكتشفت انها ثورية...ولا عندما سمعت صوتها....بل صدمتي بما اسمعه الان!!...أيمكنكم ان تتخيلوا فقط انكم بعد سنين طويلة جدا تعرفوا انكم لا تعرفون شيئا عن اقرب الناس اليكم؟!...كيف استطاعت ان تتحمل كل هذه السنين من دون ان تتكلم بحرف واحد؟!..بل واي قدرة تمتلكها جعلتها لا تخطئ ولو لمرة واحدة لتنسى نفسها وتتكلم؟!..
فتحت عيناي بذهول وحركت رأسي بعدم تصديق وانا اتمتم:

- طوال 14عاماً...كنت تدعين الخرس؟!..

فأكتفت بتثبيت عيناها داخل عيناي من دون تعليق لألومها بنفاذ صبر:

- لما فعلتِ ذلك؟!..

فأجابت ببرود:

- في طفولتي كنت اخشى الحديث.. كنت اظن ان نطقت سيسمعون صوتي وسيأتون لأخذي وهذا بحد ذاته كان يسبب لي الرعب؛ ولأني ايضاً كنت انتظر قدوم احدهم لأنطق؛ هكذا كنت اظن الامر.. واما عندما كبرت فمهماتي كانت تقتضي ذلك!..

قطبت حاجباي بعدم فهم لتكمل هي:

- بالتأكيد انت ادركت اني انا من قتلت هارون!..

مع جملتها هذه انتصبت كل شعرة في جسدي وانا اشاهد البساطة والبرودة التي تتحدث به عن قتل انسان...اميرتي الرقيقة تجيد القتل كما تجيد تقطيع البصل ربما!!...
استمعت لبقية حديثها وهي تسألني:

- في ليلتها.. عندما مات هارون....هل شككت ولو للحظة انه من الممكن ان اكون انا من قتله؟!.. ولننسى انك تعرفتي وتثق بي.. هل كنت ستشك؟

- لا..

- ولماذا؟!..

- لأن..

ثم توسعت عيناي فورا وانا ادرك مقصدها فأكملت لي هي فوراً عندما تيقنت من ايصال فكرتها:

- لأن من قتلته في ليلتها قد غنت قبل ان تنفذ جريمتها والكل يدرك ان صاحبة الاغنية هي ذاتها القاتلة.... وقد تم وضع جميع النساء في الحفلة ضمن قائمة الشك...عداي انا!..

فأكملت انا بدهشة وقد ادركت مقصدها تماماً:

- لأنكِ خرساء!..

- بالضبط..وهذا ما كان يبعد عني الشبهة طوال سنوات وانا انفذ مهماتي...في كل مهمة كنت اترك خلفي دليلا يثبت ان من قامت بهذه المهمة تتكلم وبالتالي سيستبعدون من قائمة الشك...فأنا لم اقتل سوى المشتركين ب عملية 6001 التي كانت تتضمن اختطاف الثوريين وعائلاتهم وعدد قليل من الاطفال من مهمة 6001 قد ظلوا على قيد ال حياة لذلك بالتأكيد سيشكون بأمري... وهذه كانت الطريقة الوحيدة التي كانت ستبقيهم بعيدين عني لحين الانتهاء منهم!...

- لنفرض انك خططت لهذا بعد ان انضممت للثورة.. وفي طفولتك...لما لم تتحدثي؟!..

قوست حاجبيها باستنكار وهي تعيد جملتي باستغراب:

- "بعد ان انضممت للثورة"؟!..

ثم رأيت ظلام بارد يحيط عينيها وهي تكمل بغيظ:

- كل الذي يحصل الان ما هو ألا خطة تم وضعها في السجن من ابي قبل 17 عاما هو ومن معه وهيأوني لهذا الامر كي ينتقموا من قوات عملية 6001 الذين تسببوا لنا ولغيرنا بألم وعذاب لا يمكن لأي سعادة ان تمحيه!.. فمن بين كل قوات الدولة الخاصة قوات 6001 هم اسوأهم!....لذلك كان يجب التخلص منهم بطريقة او بأخرى!..

رد الفعل الوحيد الذي تمكنت من فعله هو اني احطت رأسي بيداي كي امنعه من التناثر حولي من كثرة المعلومات الصادمة التي اخترقته!....وانا الاحمق الذي ظننت انها انضمت للثوار بعد رحيلنا!.. ولكن اميرتي الجميلة كانت ثورية منذ قدومها الينا!.. منذ ان كانت مجرد طفلة تخشى النوافذ المفتوحة.. منذ ان كانت العاشقة العنيدة التي طرزت ذلك المنديل من اجلي!..
هززت رأسي بيأس وانا اتمتم:

- انا بالفعل لا افهم شيء!...كيف؟!..

رفعت رأسي اليها لأكمل:

- طوال كل تلك السنين في المزرعة انا لم اف ارق ك ولو للحظة...متى كنت تلتقين بهم؟.. ممن تأخذين اوامرك؟... ومهماتك...ماهي بالضبط؟!..

سألت سؤالي الاخير بتوجس متمنينا لو انها لا تجيبني وتصدمني اكثر!....رفعت رأسها للأعلى قليلا وهي تطلق تنهد عميقة ثم نظرت الي لتجيب بذات برودها:

- حينها انا لم اكن قد بدأت بتنفيذ المهمات خلال سنين تواجدكم معي....بدأت اتلقى الاوامر بعد رحيلكم!..

- من اين تأخذيها؟!..

- من رجل اخبرني ابي عنه في السجن...اخبرني بعد ان اصبح جاهزة تماما سيأتي لي رجل ويخبرني بجملة معينة...حينها فقط مسموح لي ان اتكلم معه!..

- جملة ماذا؟!..

نظرت الي بنظرة قاسية وهي تقول:

- "حان الوقت لتنطقي"!..

ثم اردفت:

- فأدركت انه حان الوقت لتنفيذ مهماتي!..

ازدردت ريقي بتوتر وانا اسألها بتردد:

- مهمات.. من اي نوع؟!..

سكتت لثواني قليلة قبل ان تجيب بنبرة خالية من اي ندم:

- القضاء التام على عناصر عملية 6001!..

كل شيء بداخلي انقبض.. قلبي.. معدتي.. رئتي...يا لهذا البرود الذي تتحدث به عن عملية قتل انسان!...أهذه بالفعل عليائي؟!..ام انه مجرد كابوس سأستيقظ منه قريبا ما ان تخترق الشمس ستائر غرفتي؟!..

اخذت نفسا عميقا وقد اعتدت على هذه الصدمات المتتالية واعتاد قلبي على الانقباض تارة والخفقان بقوة تارة اخرى.. لذلك بشكل ما اصبحت اتقبل الحقائق بعدم الشعور بشيء....عليائي قتلت كل احاسيسي!..

- من اين....كيف عرفتهم؟!...من احضر لك الاسماء؟!..

ورغم الحالة المزرية التي هي فيها وجدت زاوية فمها ترتفع بابتسامة بسيطة وهي تجيبني:

- انا فعلت!..

قطبت حاجباي باستغراب فأكملت:

- كنت احفظ اسم واحد فيهم...اسمه رشيد....كان قائد تلك المهمة...وقد عرفت انه في احدى دور العجزة...تنكرت بزي صحفية وذهبت اليه لأخذ منه اسماء البقية!..

سألتها باستنكار:

- واعطاكِ اياهم ببساطة؟!..

- بالطبع لا...هددته بقتل حفيدته!..

ارتفع صدري وانخفض بانفعال وانا اقول بألم:

- من انتِ بالضبط يا علياء؟!..

رأيت بعض الدموع تتجمع داخل عينيها قبل ان تقول لي بضعف وانكسار:

- من المفترض ان اكون مجرد فتاة عادية...فتاة تقضي طفولتها مع والديها...تقع في الغرام.. تتزوج من تحب... وتعيش كما تعيش بقية ال فتيات العاديات!..

تهاطلت تلك الدموع التي خزنتهم في عينيها لتكمل بحسرة:

- لكني لك اكن كذلك!...حولوني لشيطان يا يوسف...سلبوا مني كل شيء احبه....حتى سعادتي معك سلبوها مني!..

نظرت لها بعدم فهم لتكمل لي ببؤس وألم:

- انا واقعة بغرامك بجنون يا يوسف....جنون لا يقبل اي منطق كما قلت... أفلم تتسأل لما رفضت ان اتزوج منك عندما طلبت مني ذلك؟!... نعم انا اردت حمايتك...ولكن كان بإمكاني رفض عرضك بشكل مؤقت!..

لم اسألها.. لم اعلق بشيء....اريد ان اسمع الصدمة الجديدة التي ستنطقها....وكأني تعرفت على علياء لتوي ولا اعرف اي شيء عنها...اي شيء على الاطلاق!...نظرت اليها بترقب وهي تنطق حروفها ببكاء:

- سألتك ذات مرة في الحديقة ما ان كنت تحب الاطفال!....اتذكر اجابتك جيداً.. تلك الاجابة التي اثبتت لي كم انا انانية ولم افكر بالأمر سوى الان!..

توسعت عيناي وتوقفت رئتي عن العمل وانا ادعو بكل جوارحي انها لا تقصد ما فهمته...يا ليتها تعود خرساء وتتوقف عن الكلام....ولكنها لم تفعل:

- انا لا يمكنني ان اكون ام يا يوسف!...لا يمكنني منحك الاطفال الذين تحبهم!..

وقعت بضع دمعات هاربة من مقلتاي وانا اسألها بصوت مهزوز:

- عن ماذا تتحدثين انتِ؟!..

عضت شفتيها بألم واغمضت عينيها بأسى لتتساقط دموعها بجنون.. استغرقت عدة ثواني بينما تجمع شتات نفسها ثم نظرت الي بضعف وهي تقول:

- في ذلك السجن...هم اجروا لنا عملية...انا وبقية الفتيات الصغيرات الذين احضروهم مع عائلاتهم...كان ذلك مثل الدرس لنا كي نتذكر طوال حياتنا ما حصل لنا ولكي يقللوا من نسل اصحاب الدم الملوث!..

ولازلت انظر لها بعدم فهم لتكمل هي:

- كانوا يقتلون اهالينا ويرون اننا لا نستحق ان ننجب للمجتمع في المستقبل اطفالا يحملون دمنا الملوث...لذلك.. لقد...اقتلعوا لنا الرحم!..

كتمت فمي بيدي فوراً لأمنع صوت شهقات بكائي ان تعلو فأكملت هي بنحيب بينما تنكس رأسها للأسفل بضعف:

- هناك طفلة...هناك طفلة ماتت بعد العملية...لايزال طيفها يراودني في احلامي!...لايزال منظرها وهي ميتة مرسوم في عقلي....ظنناها نائمة يا يوسف...فكيف ل أطفال ان يعرفوا الفرق بين النائم والميت؟!..

ثم ارتفع صوت بكائها اكثر وهي تكمل:

- لقد كانت مجرد طفلة صغيرة...انها حتى اصغر مني!.. لو انك فقط رأيت ما فعلوه بها.. يا ليتك رأيت وجهها وجسدها!....انا اموت في كل ليلة يا يوسف واطياف من معي تزورني في احلامي وصراخهم يملأ رأسي...انا اتعذب......انا تعبت واريد ان ارتاح!..

نسيت ما حذرني منه عادل فنهضت من كرسي لأجلس على ركبتي امام كرسيها واحضن وجهها بين يداي واستند بجبيني فوق جبينها لتمتزج دموعنا معنا وانا اقول لها بهمس:

- سأخرجكِ من هنا...سأخرجك يا علياء!..
هزت رأسها بالنفي وهي تقول بهمس مشابه:
- فات الاوان يا يوسف...تم اثبات الادانة علي...وجدو بصماتي في مسرح الجريمة!...هم شكو بأمري منذ مقتل هارون لذلك طابقوا بصماتي مع مسرح الجريمة وقد تطابقت!..

- عن اي مسرح جريمة تتحدثين انت ان لم تكوني تقصدي هارون؟!..

- جلال!..

ومع جملتها هذه ارتجف جسدي بفزع وانا اتذكر نشرة الاخبار تلك....الرصاصات في جسده...توتر علياء بيومها.. هي ادركت انها تركت دليل ما خلفها وسيأتون ليأخذوها... هكذا هي عرفت انهم قادمون من اجلها!....ولكن لحظة...

- انتِ.. كيف قتلتي جلال؟!.. جلال عندما مات...انت كنت في شقتي!...متى فعلتِ ذلك؟!..

بقيت تنظر الي بأسى فوقعت يداي من دون ارادة مني من فوق وجهها وانا انظر اليها بصدمة...ودعوني اعترف لكم.. هذه هي صدمتي الكبرى!.. سألتها بتوجس:

- في يوم حضور سمية وكمال...أليس كذلك؟!..

قوست شفتاها ببؤس وهي تومئ لي ب"نعم"....اخذت نفسا عميقا وانا امسح وجهي براحة يدي بتعب ولم اعد قادرا على تحمل صدمة اخرى....أتذكرون ذلك الملثم الذي شاهدته يقف على سور شرفتها بعد ان اوصلت كمال وسمية للمزرعة؟!..ذلك الملثم الذي ظننته احد جنود القوات الخاصة القادم من اجل اخذها؟!.......في الحقيقة هذا الملثم كان علياء!!!...

انزلت رأسها لتستند بجبينها فوق كتفي لتضم نفسها الي لترتفع يداي وتحوطانها بقوة واضمها بشدة... يا ليت الزمن يتوقف عند هذه اللحظة وصغيرتي بين يداي....صغيرتي التي لا يمكنني الغضب منها او كرهها مهما فعلت...صغيرتي الواقع بغرامها بجنون انا ذاتا عاجز عن فهمه!.. رفعت رأسها لأحوط وجهها بين يداي واقبل جبينها بقوة وامسح دموعها بإبهامي وانا اكمل همسي:

- انا احبكِ.....احبكِ بشدة.. لذلك لا تفكري بالاستسلام وكوني قوية من اجلي!...بالتأكيد سأجد طريقة لإخراجك!..

نظرت داخل عيناي بخوف اشاهده يغزو عيناها للمرة الاولى منذ ان حصل الامر وقالت لي بصوت خافت جدا ومرتجف:

- هم لن يتركوني يا يوسف...من المستحيل ان يتركوني.. بالأخص انا!..

هززت رأسي رافضاً كلامها فأكملت بتوسل:
- اسمعني ارجوك...هناك خدمة اريدك ان تسديها من اجلي... هناك رسالة اريدك ان توصلها لرشيد!..
قطبت حاجباي باستغراب وانا اسألها:

- قائد تلك المهمة؟!..

- اجل!..

- لم تقتليه؟!...

هزت رأسها بالنفي وهي تكمل:

- لا.. ولم اكن حتى انوي قتل حفيدته اقسم لك... كنت اهدده فقط!..

- واين هي هذه الرسالة؟!..

- ستجدها تحت فراش سريري في غرفتي التي في شقتك.. عليك تسلميها له غدا في الساعة الثالثة بعد الظهر....الثالثة بعد الظهر يا يوسف اياك ان تعطيها له او تفتحها قبل هذا الوقت..

- ولماذا؟!..

- افعل ذلك فقط وستفهم لاحقاً...وعليك ان تقرأها من اجله فنظره ضعيف ولا اريد من سواكما ان يعرف مضمونها.. اتفقنا؟!..

عدت لتقبيلها من جبينها مجدداً وانا اقول لها:

- حسناً حبيبتي....انا اعدكِ بذلك!..

همست لي بارتجاف:

- يوسف؟!..

- نعم اميرتي؟!..

- انا احبك!.. اعرف اني لم اقولها لك مسبقا....ولكنك تعلم اني احبك بشدة!..
وقعت دموعي بقوة وانا اضمها الي اكثر واقول:

- وانا اعشقك بجنون يا عليائي!!..

- شكراً لك على كل ما فعلته من اجلي...شكرا لأنك اعتنيت بي.. شكرا لأنك احببتني....شكرا لأنك الوحيد الذي لم يفكر بي يوماً على اني صاحبة دم ملوث!..

نظرت الى عينيها بعشق وانا اجيبها بينما ابهامي يتحرك بشكل دائري فوق وجنتيها لأمسح دموعها الممزوجة بدم جروح وجهها:

- انت النقاء الوحيد في حياتي...هم الملوثون يا حبيبتي!..

فأكملت وبدأت اشعر برعشة الخوف تسري في اطرافها:

- واريدك ان تخبر عمتي اني احبها بشدة واسفة لأني عرضتها لكل هذا وجعلها تفقدني!...واخبر العم كمال انه اروع اب حظيت به .. اخبرهما انني بالفعل احببتهما...واني لم اشعر بفقدان الاسرة بوجودهما معي...اخبر عمتي ان علياء تقول لك" انا اسفة امي"...اخبرها اني..

وقبل ان تكمل حروفها المرتجفة كتمت فمها بيدي وانا اقول ببكاء:

- توقفي عن هذا الكلام!...لا تتصرفي وكأنك ستموتين...لن اسمح لك بتركي...لا تفعلي بي هذا ارجوك!..

- يوسف اسمعني ارجوك!.. كلانا يعلم ان هذه لحظاتي الاخيرة معك وقد لا نلتقي مجدداً لذلك اسمعني ارجوك!..

ومع جملتها هذا استكنت برأسي في حجرها واحطت خصرها بيداي واني ابكي وانتحب كالطفل الخائف وسط ذراعي امه!...
كطفل اناني يرفض التخلي عن لعبته المفضلة!...انا احبها.. فكيف عساي ان اتقبل فراق من احب ببساطة؟!..
شعرت بقبلتها فوق خصلات شعري وهي تحدب جذعها العلوي علي وتكمل:

- عليك ان تعدني بشيء يا يوسف...انا اتوسل اليك هذا هو الامر الاهم!..

رفعت بصري اليها لتلتقي عيوننا القريبة من بعضها وهي تكمل لي بنبرة حازمة رغم بكائها وخوفها:

- اياك ان تتهور...عدني ان لا تقوم بأي تصرف ولا تخطو اي خطوة قبل ان يحضرا اليك!..

حدقت فيها بعدم فهم لتكمل هامسة:

- في يوم ما - بعد موتي - سيحضر لك رجلان...احدهما تعرفه جيداً والاخر ليس كثيراً....سيخبرانك انهما هما من اخبرتك عنهما عندها ثق بهما وافعل ما يطلباه منك....هل تستمع لي يا يوسف؟!..

اومأت برأسي لتكمل هي:

- قبل ان يحضرا اياك ان تفعل شيئاً...لا تقتل احد.. لا تهدد احد.. لا تتورط بأي مشاكل مع الدولة او مع اي احد...عدني بذلك..

- علياء..

فقاطعتني بحدة:

- يوسف عدني!...عدني انك لن تتهور وتؤذي نفسك ارجوك..

دموعها اخرستني عن الاعتراض لأهمس لها:

- اعدك... انا اعدك بذلك!..

قطعت وعداً بلح ظة ضعف ليأكلني الندم لسنة كاملة بعدها!! .. ليمنعني حبي واخلاصي لها من نقض وعدي معها.. من التحرك.. من الكلام...ومن اطفاء نيراني التي تحرقني.. لأدرك العذاب الذي كانت تعيشه طوال سنين...لأعذرها عما فعلته.. ولأكره نفسي بشدة لأني حملتها الملامة عندما ارادت تخليص نفسها من عذابها!..


المصدر: ponyponyyy

إكتشف محتوى اكثر

تعليقات

  • Jomana Ayman

    اكثر ما اعجبني كتابة عما يحدث فى بعض اركان اى دولة كانة مشهد درامي

  • SaLma Belymam

    😭😭😭😭😭😭😭😭😭😭😭😭😭 هو في حد يمكن يوقف دموعي 😭😭😭😭💔💔💔💔💔💔

  • ام عمرر

    خلينه نعرف النهايه بنفسنا

  • ام عمرر

    حرقتي الروايه

  • ام عمرر

    فييييييين التكمله

‎استخدم تطبيق Hayaa لعرض تعليقات 13 المتبقية
إكتشف محتوى اكثر
افتحي Hayaa للمشاركة في المزيد من المواضيع النسائية
فتح

تحميل تطبيق Hayaa

لإدارة صحة فترة الدورة الشهرية ، شاركي في المواضيع الخاصة بالمرأة

Google play
App store

تم النسخ