رواية: عذابي الصامت - الفصل العشرون

الفصل الأول👉

الفصل الثانى👉

الفصل الثالث 👉

الفصل الرابع 👉

الفصل الخامس 👉

الفصل السادس 👉

الفصل السابع 👉

الفصل الثامن 👉

الفصل التاسع 👉

الفصل العاشر 👉

الفصل الحادى عشر 👉

الفصل الثانى عشر 👉

الفصل الثالث عشر 👉

الفصل الرابع عشر 👉

الفصل الخامس عشر 👉

الفصل السادس عشر 👉

الفصل السابع عشر 👉

الفصل الثامن عشر 👉

الفصل التاسع عشر 👉

-20-

رسالة اخيرة

من اصدق ما سمعت.." الدولة تصنع من الشعب مجرماً ومن ثم تحاسبه"..

-اقتباس-

***********

 (يوسف)

الواحدة؛ الواحدة وخمس دقائق؛ الواحدة والنصف؛ الثانية بعد الظهر؛ الثانية وعشرون دقيقة؛ الثانية واربعون دقيقة... الثالثة!..

ساعتان تماماً اجلس بسيارتي المركونة امام بناية دار العجزة انتظر بفارغ الصبر متى تحل الثالثة لأحمل الرسالة التي احضرتها معي نحو رشيد كما وعدت عليائي!..

نزلت من سيارتي باستعجال واتجهت نحو الداخل... سألت في الاستعلامات عن مكان غرفته واتجهت اليها فوراً.. احمل بيدي الرسالة التي اثارت فضولي منذ الأمس.. اريد ان اعرف بشدة ماذا عسى عليائي ان تقول لقاتل اسرتها الذي لم تقتله... الوحيد الذي لم تقتله من قوات 6001!..

طرقت بابه بتوتر ليصلني صوته المتعب:

- تفضل!..

فتحته فورا ودخلت لأجد رجل كبير في السن قد ترك الزمن بصمته فوق تضاريس وجهة واحدوداب ظهره!.. له نظرة ثاقبة ولكن العجز كان كافيا لًيكسرها قليلًا...ليثبت الزمن لنا بجدارة انه قادر على قهر اقسى الجبابرة الذين لا يثنيهم شيء ويجعلهم ارذل الارذلين....ليثبت اننا في النهاية مجرد "انسان"!!...

- انت رشيد؟!..

قلتها بينما ادلف للغرفة واغلق الباب خلفي كي لا تنساب حروف الرسالة لأحد كما طلبت علياء مني!.. ترك التحديق بالحديقة من خلال نافذته والتفت الي ليجيب:

- اجل.. انا هو!..

اخرجت الرسالة من جيبي وانا اقول له:

- معي لك رسالة..

فجأة انفرج حاجبيه عن الالتحام وتمتم بحسرة:

- إذاً فقد حان الوقت بالفعل!..

**********************

 (علياء)

من منكم لايزال يت ذكر علياء اليتيمة؟!...من منكم اشفق على حالها؟ ومن منكم كرهها؟!... حسناً.. لابأس ان لاموني من حولي وكرهوني... فأنا ذاتا اًكره نفسي! ..اكره ما انا مجبرة على فعله....نعم مجبرة!...ولكن لا يعني اني ن دم ت على ما فعلت... هناك كثير من الاشياء التي تقتلنا ان فعلناها.. ولكننا في النهاية علينا فعلها.. حتى وان تأذينا.. حتى وان رفض قلب نا مطاوعة عقلنا.. علينا ان ندوس عليه بقسوة ونتحمل.....كي نحقق المنطق!..

هارون.. جلال...يحيى.. ك امل .. مراد...غسان...مجد! نعم...جميعهم قتلتهم من دون ندم...ذرفت دموع ي.. صرخت بألم...عانيت من الكوابيس...مع كل واحد اقتله اعيش هذه الت جرب ة...ولكنها لا تمنعني عن قتل الثاني!...فمع كل واحد منهم لي ذكرى مؤلمة جعلت كل الرحمة تنتزع من قلبي...هؤلاء السبعة هم من حو لون ي لشيطان...وحان الوقت ليواجهوا الشيطان الذي صنعوه!..

نعم انا احببت يوسف بشدة.. كان من الافضل ان انسى الماضي واعيش حياة جديدة...ولكن في دولتي لا يوجد شيء اسمه "حياة جديدة"... سأبقى طوال حياتي صاحبة الدم الملوث.. سأبقى المتهمة دائما فًي كل جريمة تحصل...فبنظرهم نحن القذرون الوحيدون في الدولة الذين يرتكبون الجرائم... هم قد اخرجونا من السجن نحن الاطفال ولكن لا تظنوا انهم اطلقوا بالفعل سراحنا... هم قد قرروا مسبقا اًعادتنا للسجن مرة اخرى متخذين اي عذر ليفعلو ذلك... ربما سيدخلونني للسجن بسبب مخالفتي لأشاره المرور ويخفون اثري بعدها الى الابد...هم من الاستحالة ان يتركوا اصحاب ال دماء الملوثة احرار... لذلك كنت احتاج هذه
الخطة لأحرر نفسي الى الابد... وكي لا اسكت عن حقي وحق اسرتي وابرر ضعفي بحجة "ما حصل قد حصل"!!..

********************

- ومضات -

 (الكاتبة)

 (داخل زنزانة عفنة يتسلل النور خلسة من تحت ذلك الباب الحديدي الموصد ليعكس هيئة رجل و امرأة تتوسطهم طفلة صغيرة تنظر اليهم ببراءة ولكنها عاجزة عن مشاركتهم حديثهم.....علياء!!..

مسحت سلوى برفق فوق شعره ا وهي تقبلها بحنان فوق قمة رأسها دون ان تعرف ما الذي يحصل لأبنتها!.. سلبوها قبل اسبوع من بين يديها واعادوها اليها خرساء تعاني من الآم بطن مبرحة!.... كان الجنود يعطوها ادوية بعد ال عملية ولكن كان لها تأثير سلبي عليها جعلها تفقد النطق فجأة دوناً عن بقية ال فتيات اللاتي يتناولن الدواء ذاته!..

احاط مازن وجه صغيرته وقبلّ وجنتيها ال ناعم ة المليئة بالخدوش ثم نظر داخل عينيها بابتسامة رغم ما هم فيه وقال بهمس كي لا يسمعهم احد:

- صغيرتي ستكون قوية كما وعدتني.. أليس كذلك؟!..

اومأت علياء بوجه بائس ب "نعم" فأكمل مازن وبضع دمعات تسقط من عينيه:

- اسمعيني حبيبتي...غداً سيجعلونك تشاهدين شيئاً بشعاً جداً.. ولكن لا تخافي...وانا وماما سنبقى معكِ الى الابد حتى وان لم ترينا.. لذلك لا تحزني.. اتفقنا؟!..

وضعت سلوى جبينها فوق ظهر مازن الذي يحنيه باتجاه صغيرته وهي تشاركه بكائه بصورة اقوى وتدرك جيدا اًن هذه الليلة هي الليلة الاخيرة التي سيكونون هم فيها الثلاثة مع.. فغداً موعد اعدامهم كما اخبروهم!..
تماسك مازن قليلًا رغم دموعه واكمل تحذيره لأبنته:

- قد لا تفهمين الان ما اقول صغيرتي.. ولكن احفظيه جيداً وستفهمينه عندما تكبرين...سيأتي اليكِ احدهم وسيقول لكِ "حان الوقت لتنطقي".. ان قال لكِ هذه الجملة فأريدكِ ان تثقي به ثقة مطلقة وتنفذي كل ما يقوله لكِ...حسناً صغيرتي؟!..

حاولت علياء اجابته ولكن صوتها خانها عن ربط حروفها ببعض فأكتفت بالإيماء رداً على حديث ابيها الذي اكمل:

- هم سيخرجونكِ من هنا وقد تستعيدين صوتك... ولكن اياك ان تتحدثي.. ان سمعوا صوتك سيأتون لأخذك مرة اخرى يا علياء.. سيعيدونكِ لهذا السجن حتى وان كنتِ صغيرة!..

هنا مازن كان يقصد ان لا تتحدث بأمور الثورة ولكن علياء بعقلها الطفولي فهمت انها لا يجوز ان تنطق بأي شيء فأن سمعوها سيأخذونها... وبالتالي اخرست صوتها بخوف طوال سنين طفولتها تخشى حتى ان تهمس لنفسها سراً.. فحتى نسمات الهواء تخافهم ان يوصلوا صوتها نحوهم ليعيدوها الى حيث هي الان!..

مسح برفق فوق شعره ا وهو يكمل:

- اياكِ وان تكوني ضعيفة يا صغيرتي... هذه الدولة تفقد مناصريها يوماً بعد يوم ليتحول ابنائها الى الآت تتحكم فيهم الحكومة كما تريد.. ولكني لا اريدك ان تكوني كذلك...ان ترك رجالها حقهم فلا تتركيه انت.. ولا تجعلي السعادة مهما كانت ان تنسيكِ ما فعلوه بكِ وبالبقية....تذكري انكِ تعيشين سعادة حرموا غيركِ منها فلا تسكتي عن حقهم يا صغيرتي.. لا تكوني شيطان بهيئة ملاك لتشاهدي غيركِ يتعذب من دون ان تدافعي عن حقه بحجة انه ليس بيدكِ حيلة....هل ستتذكرين كلامي هذا يا علياء؟!..

اومأت مجدداً وهي تركز عيونها البريئة داخل عينا ابيها العطوفة لتحفظ كل كلمة قالها وترددها على نفسها في كل يوم كي لا تنسى ابداً ما قاله .. وان لا تنسى ابداً ما حصل داخل هذا السجن...وان لا يمنعها خوفها من العودة اليه عن التغاضي عما حصل لهم!!..)

***********************

 (كان صباحاً جميلًا كبقية ايام الربيع اللطيفة.. احبت علياء ذات ال 17 عاما اًن تطمئن على زهورها العزيزة وتسقيهم بحاجتهم للماء وتغذيهم بالسماد دون ان تعتمد على احد بفعل ذلك!..

- انستي؟!..

ألتفت باتجاه سهى التي اكملت فور ان استدارت لها علياء:

- اتصل فاروق حارس البوابة وقال ان هناك شاب يطلب مقابلتك...انه متعهد شركة او ما شابه ذلك!..

قامت علياء من فوق الارض ونظفت ذرات التراب عن ملابس ها براحة يديها ثم اشارت لسهى وعلامات الاستغراب تبدو واضحة في عينيها:

- (شركة ماذا؟!)..

رفعت سهى كتفيها وانزلتهما كعلامة على عدم معرفتها وهي تقول:

- لم يخبرني بذلك!..

لم تتردد علياء في الذهاب ولم تحقق كثيراً بأمره.. فهي ستقابله لتكتشف من هو بالضبط!..

سارت بالمرر الحجري الذي تقبع البوابة الحديدية في نهايته ويقف هناك شاب طويل ربما في نهاية العشرينات او بداية الثلاثينات يرتدي زي رمادي وقبعة حمراء وتحيط عينيه نظارة طبية تقبع خلفها عينيه اللطيفة رغم حدتها ويحمل بين يديه صندوق صغير من الورق المقوى!.. طوال مسيرها كانت تركز في شكله.. ولكنها لم تستطع ان تعرفه.. هي بالتأكيد لم تقابله مسبقاً!.. وصلت اليهم ووقفت بمواجهة هذا الشاب الذي قال بابتسامة:

- مرحباً انسة علياء!..

اومأت بابتسامة لطيفة رداً على تحيته فأكمل فوراً:

- انا متعهد شركة "ثقافاتنا" التي تمول المكتبة الرئيسية التي هنا والتي تستعيرين منها الكتب في الغالب!..

بقيت تنظر له بعدم فهم دون ان تدرك غاية قدومه فأكمل هو:

- لقد اخترنا مجموعة اشخاص من الذين يتكرر اسمهم دائما فًي قائمة الاستعارة لنجري نادي قراءة للروايات...هذا الصندوق الذي بين يدي يحتوي مجموعة روايات قرأوها اعضاء النادي وابدو رأيهم فيها فوق احدى صفحاتها...لذلك هل انت مهتمة بالانضمام للنادي كي تقرئيهم وتبدين رأيك ايضاً؟.. وسآتي لأخذهم بعد يومين....إذاً .. هل انتِ موافقة؟!..

لم تستغرق وقتا طًويلًا في التفكير فهي تعشق القراءة بشدة وقد استساغت الفكرة فورا فًأومأت برأسها موافقة بابتسامة مرحة تكاد تخلق لها جناحان من السعادة لاشتراكها مع مجموعة من الناس يشاركوها ب شغف المطالعة!..

تبسم الشاب فوراً وهو يشير بذقنه لسجل وقلم تعمد وضعهم فوق الصندوق كي يجبرها على الاقتراب منه:

- إذاً سجلي اسمكِ هنا ووقعي اذا سمحتِ..

تقدمت اليه وتناولت القلم لتبدأ بتسجيل اسمها...ولكنها توقفت فوراً.. توسعت حدقتيها بذهول.. خفق قلبها بقوة.. انساب القلم من بين اصابعها ليقع ارضاً وهي ترفع رأسها اليه بصدمة من همسته تلك التي اخترقت مسامعها:

- "حان الوقت لتنطقي ايتها الصغيرة!"..

لتخلق منذ ذلك اليوم علياء جديدة تختلف عن تلك التي غيرها يوسف بحبه وايامه الجميلة معها!..

***********************

 (كان صوت انفاس علياء الخائفة واضح بشدة من خلف الكيس الاسود وجسدها يرتجف كزهرة رقيقة وسط عاصفة ثلجية!.. لم ترى الطريق بسبب الكيس الذي غلفوا به وجهها.. ولكن هذه الرائحة التي تنساب لأنفها لا يمكنها نسيانها ابداً مهما مرت عليها سنين طويلة... انها احدى زنازين السجن!..
كان صدرها يرتفع وينخفض بقوة تحاول بكل وسيلة سحب بعض الهواء ولكنها تفشل من شدة خوفها وارتباكها...كانوا يجلسوها على كرسي حديدي ويربطون يديها بقيود خلف ظهرها لتصبح عاجزة عن الرؤية والحركة في الوقت ذاته وهي تستمع لأصوات التعذيب التي تصلها من الغرف المجاورة الامر الذي جعلها تبكي وتصرخ بهستيرية وهي تدرك جيداً ان دورها في التعذيب سيحين قريباً!...

سمعت صوت باب الزنزانة يفتح ثم يغلق مرة اخرى.. ارتجف جسدها بقوة اكبر توازي قوة ضربات قلبها وعجزت رئتيها عن استقبال المزيد من الهواء.. ولكنها بقيت صامتة لا تنطق بشيء!..
احست باقتراب احدهم منها لتسمع ذلك الصوت الرجولي يهمس لها:

- سامحيني عما فعلته!..

فأشتد بكائها اكثر وقالت بأنفاس متقطعة:

- لقد حافظت على وعدي معك وانا اترك بصماتي في مسرح الجريمة ليقبضو علي...حان الوقت لتحافظ على وعدك معي!..

- سأفعل!..

- ان حصل ليوسف شيء اقسم لك اني سأسعى لقتلكم انتم هذه المرة!...عليك ان تحافظ على حياته مهما كلفك الامر...لن اسامحك ابداً ان حصل له مكروه!...عدني انك ستفعل المستحيل!

- لا تقلقي...اخبرتك اني لن ادع احد يؤذيه!..

**************************

- الوقت الحالي -

 (يوسف)

جلست على الكرسي امامه تفصل بينما طاولة خشبية تقبع بجانب نافذة تطل على الحديقة... احاطنا الهدوء لبعض الوقت قبل ان اسأله:

- هل كنت تتوقع قدومي؟!..

اومئ برأسه قبل ان يردف:

- علياء من اخبرتني بذلك...قالت انها سترسلك قبل...

وقطع بقية حروفه فورا فًقطبت حاجباي باستغراب وانا اسأله:

- قبل ماذا؟!..

فأجابني بهدوء:

- ربما من الافضل ان تقرأ الرسالة...ستفهم كل شيء حينها!..

فتحتها من ظرفها محكم الاغلاق واصابعي ترتجف بتوتر عاجز عن توقع محتواها!...فتحت الورقة من طويتها ورشيد يستمع الي بترقب.. بدأت اقرأ على مسامعه كلماتها المكتوبة امامي بخط يدها المنمق:

- " من علياء الى رشيد...اتمنى ان تصلك هذه الرسالة في يوم ما قبل ان يغتالني الموت دون ان يعلم احد بأمرها...لطالما كنت تستغرب عفوي عن مقتلك وتعجز عن تذكر ذلك الفضل الذي فعلته من اجلي...ربما حان الوقت لتعرف الان...أتعلم لما سامحتك؟...نعم انت وحش مثلهم...ولكنك كنت وحش لايزال يملك انساناً ما بداخله... كنت تسمح لهم بضربنا.. ولكنك كنت تطلب منهم التوقف عن ذلك ان تعالى صراخنا وبكائنا...كنت تشفق على حالنا.. على حال اطفال يضربون بسبب خطأ ارتكبه اباؤهم!...وبعد تلك العملية التي اجريتموها لي كنت اتألم بشدة...واتذكر انك طلبت منهم ذات مرة اعطائي بعض المسكنات ليهدأ ألمي!.. ولكني لم اكن ممتنة لهذا فحسب...لازلت اذكر تلك الليلة وكأنها حصلت الأمس... اخبرتمونا انكم ستعدمون اهالينا في الغد.. ولأننا اطفال نختلف عن بقية الاطفال فقد ادركنا جيدا مًا قد يعنيه مصطلح "اعدام"...انه يعني الفراق الابدي!....في تلك الليلة رأيتك....كنت خرساء وعجزت عن ايصال كلماتي لك.. ولكنك بشكل ما فهمتها من خلال دموعي وطلبت منهم اخذي الى زنزانة والداي اللذان لم اراهما منذ اسبوع... جعلتني ابقى بينهما في ساعاتهما الاخيرة.. منحتني ذلك الامان لأخر مرة في حياتي...فمنحتك انا العفو لتعيش اخر ايامك وسط اسرتك.. ولع ل الرب يستجب لأحدى صلواتك ويغفر لك خطاياك.. رغم اني اشك في ذلك!...ليس لعدم اعترافي برحمة ربي.. بل لثقتي في عدالته... ان وصلتك رسالتي هذه في موعدها في الساعة الثالثة كما خططت فهذا يعني اني اقف الان على منصة الاعدام...ليتم اعدامي في الثالثة والنصف... تماما كًالوقت الذي اعدموا فيه والداي"..

ومع جملتها الاخيرة هذه انتفض جسدي بفزع من فوق الكرسي الذي انقلب فوراً نحو الخلف وحدقت بعيون رشيد المنكسرة وانا اقول له بصوت مهزوز والرسالة تتراقص داخل يدي المرتجفة:

- هذا...هذا ليس صحيح...أليس.. أليس كذلك؟!..

نظر الي رشيد وهو يقول لي بحسرة:

- انا اسف ولكنه صحيح ايها الشاب.. اخبرتني انها سترسل رسالة من اجلي في يوم اعدامها بيد شاب هي واقعة بغرامه...كي لا يضطر لرؤيتها تموت كما اضطرت هي لرؤية ا بويه ا!...

لم اعلق بشيء...لم افكر بشيء...توقف عقلي عن العمل.. توقف قلبي عن النبض...لا اسمع شيء سوى صوت انفاسي المهزوزة داخل صدري.. انفاسي التي لا اشعر بها ترويني!..

انطلقت قدماي المرتجفة وانا اركض خطوة واتعثر بالأخرى وانا ابكي كالثكلى!...وصلت الى السيارة بهيئة المجنون.. تعابير وجهي.. هيئتي.. انفاسي.. صوت بكائي ..لا شيء منها يدل على اني انسان عاقل....انطلقت بسيارتي بسرعة وانا ارمق ساعتي برعب واشاهدها قد اصبحت الثالثة و 15 دقيقة... لا.. لا...هذا مستحيل...هي كتبت هذه الرسالة لتثير قلقي فقط...نعم...تريد ان ترى حبي لها فحسب... تحب ان ترى مدى خوفي عليها كي تثق اكثر اني واقع بغرامها بجنون!..
لم اقود سيارتي بهذه السرعة من قبل...كان يبدو لي الشارع خالي من الناس والسيارات ولا يعكس لي اي صور سوى صور عليائي...اعاد عقلي علي شريط الماضي كله بلمح البصر... عن ذلك اليوم الذي اقف فيه برفقة ديما في الحديقة لنرى ذلك الملاك الجديد الذي برفقة جدي قد انضم لأسرتنا... تذكرت تلك الطفلة التي كانت تزعج نومي في كل ليلة كي ارافقها في جولة التفتيش الليلية للنوافذ.. عن تلك الصغيرة العنيدة التي لم تكن ترضيها اي لعبة سوى ازعاجي اثناء دراستي لتطلب مني تدريسها او تستعير دفاتري لتعبث بها!... ذلك المنديل المطرز.. تلك الغيرة الطفولية...... وذلك العناق الاخير الذي جمعنا ببعضنا!.. انطلقت صرختي من بين دموعي وانا اضغط البنزين اكثر واهتف بنحيب:

- ارجوكِ لا تفعلي بي هذا علياء...ارجوكِ كوني حية.. يا رب اسلب مني كل شيء ولا تسلبها هي.. انا ارجوك....ارجوك يا اللهي.. ارجوك يا اللهي...ارجوك يا اللهي!..

وبقيت شفتاي تردد هذه الجملة دون غيرها... عقلي لا يبث لي جملة اخرى...يبث اوامر لقدمي فقط كي تدعس البنزين اكثر... فالساعة قد تخطت الثالثة والنصف بدقائق مسبقاً..

لا اصدق اني وصلت واخيراً.. كان اطول طريق اقطعه طوال حياتي كلها!.. فتحت الباب بسرعة لأندفع خارج السيارة دون ان اغلقه خلفي حتى!.. سارت قدماي بتلقائية نحو باب السجن.. ولكن تجمع الناس على بعد مسافة من بناية السجن قد اوقفني...هناك صوت....هناك بكاء!....تراجعت قدماي بضع خطوات نحو الخلف وانا اتذكر هذا المكان الذي اشار عليه الرجل في ذلك اليوم......منصة الاعدام!!..

ازدردت ريقي بارتباك وسحبت قدماي المرتخية بصعوبة كي اسير اليها وقلبي يؤلمني بشدة من كثرة انقباضه وانا عاجز عن التنفس بالفعل!..

اقتربت...واقتربت...اقترب صوت بكائهم اكثر... وصلتني اصوات نسائهم المبحوحة من الصراخ... وفجأة تجمدت في مكاني...اختل كل توازني وانتصبت كل شعرة في جسدي وشهقت بفزع.... صوت الرصاص ذاك اخترق قلبي فوراً قبل ان يخترق قلبوهم.....

- علياء!!!!..

هذا الصوت الذي يصرخ باسم حبيبتي انا اعرفه... انا سمعته من قبل.. ولكن اين؟...لما بحق السماء لا اتذكر شيء؟ ...قدماي تتحرك...تقودني باتجاههم ببطء.. ولكني لست انا من يحركها... عيناي مفتوحة بصدمة... ولكني لست انا من يفتحها!.. ما بالها دموعي جفت داخل مقلتاي؟...ما بالي لا اصرخ؟.....ما بالي...لا اموت؟...

وصلت اليهم....حركت بصري على مجموعة منهم... وجوههم تبدو مألوفة...جميعهم يبكون وينظرون لي انا...ولكني لا اعرفهم!.. نعم رأيتهم.. ولكن عقلي لا يمكنه ان يتذكرهم...انه ذاتا لًيس معهم...وليس معي حتى!..

اقتربت مني امرأة كانت تبدو اكثرهم تأثراً من بين الجميع...وجهها اصبح احمر...دموعها متفجرة بهستيريا.. صرخت بوجهي كالمجنونة:

- وعدتني انك ستحميها!..

واكملت جملتها التالية وهي تضرب صدري بقبضتها:

- وعدتني انك لن تسمح لهم بأخذها مني... وعدتني ان تحفظها من اجلي!..

اقتربت منها امرأة اخرى تشاركها بكائها ولكنها كانت تبدو اكثر تماسكا مًنها وهي تحيط كتفيها لتقول لها:

- سمية ارجوكِ توقفي...انت ستموتين بحالتك هذه اختي...ألا يكفي ما خسرناه الى الان كي نفقدك انت ايضاً؟!..

وقعت تلك المدعوة سمية على ركبتيها عند قدماي لتكمل صراخها هناك وعيناي لاتزال متج مدة عن الحركة لا يمكنني ان استوعب ما يحصل حولي... ما بالهم يصرخون هكذا؟!..هل ما امر به الان هو ما يسموه ب " الصدمة "؟!.. أهكذا تكون؟!...ان تموت وانت لاتزال تتنفس؟!..

تقدمت قدماي مجدداً ولا اعرف اي تقودني... حدثني بعضهم.. حذرني البعض ان لا اتجه الى حيث يقودني جسدي.. وطلب مني الاخر ان اتماسك... اتماسك؟؟!!....اتماسك لأجل ماذا؟.. ما الذي يدعو للتماسك؟.. ما بال هؤلاء المجانين يصرخون ويبكون بهذا الشكل؟!..
وصلت الى منصة خشبية...منصة مليئة بشيء احمر...وهناك خمسة ممدين على وجوههم فوقها.. وجوههم المحاطة بالأكياس السوداء التي تتناثر ادمغتهم داخلها من تلك الرصاصة التي اطلقوها قبل ثواني على رؤوسهم!...

لم ابالي بالجسد الاول فلقد كان ضخم.. وحبيبتي انا رشيقة الجسد!...اهملت الجسد الثاني فصاحبته كانت يديها سمراء وحبيبتي انا كانت بيضاء البشرة!....ولكن الثالث...توقفت عنده...حدقت به... لا احتاج لرؤية وجهها...يكفيني انا اعرف جسدها... جسدها الرقيق!...يكفيني ان ارى تلك القلادة التي تحوط رقبتها...تلك القلادة التي كانت ترفضان يلمسها احد!!...

- علياء؟؟!!..

كانت تلك الهمسة الوحيدة التي تمتمت بها شفتاي قبل ان اقع على الارض ليصبح كل شيء اظلم بعدها وافقد الاحساس بكل شيء يحيطني..... تماماً على مقربة من......جثة حبيبتي!!..

 

المصدر: ponyponyyy

إكتشف محتوى اكثر

تعليقات

  • ساره اليافعي

    يعني هاذي النهايه 😶

  • Nassima Beyej

    الله يخفف ليك

  • SaLma Belymam

    😭😭😭😭😭😭😭😭😭😭😭😭😭😭😭😭😭😭😭😭😭😭😭😭😭😭 لاااا بلييييييييز لا كفايا لا

  • Ommou Hidaya

    نهاية غريبة وبسيطة لا تتماشى مع الاحداث المثيرة داخل الرواية

  • Fatyfleur Atif

    توقعت تحصل معجزة او احد ينقذ علياء من الاعدام لكن للاسف نهاية حزينة 😢

‎استخدم تطبيق Hayaa لعرض تعليقات 9 المتبقية
إكتشف محتوى اكثر
افتحي Hayaa للمشاركة في المزيد من المواضيع النسائية
فتح

تحميل تطبيق Hayaa

لإدارة صحة فترة الدورة الشهرية ، شاركي في المواضيع الخاصة بالمرأة

Google play
App store

تم النسخ