رواية: عذابي الصامت - الفصل الحادى و العشرين النهاية

الفصل الأول👉

الفصل الثانى👉

الفصل الثالث 👉

الفصل الرابع 👉

الفصل الخامس 👉

الفصل السادس 👉

الفصل السابع 👉

الفصل الثامن 👉

الفصل التاسع 👉

الفصل العاشر 👉

الفصل الحادى عشر 👉

الفصل الثانى عشر 👉

الفصل الثالث عشر 👉

الفصل الرابع عشر 👉

الفصل الخامس عشر 👉

الفصل السادس عشر 👉

الفصل السابع عشر 👉

الفصل الثامن عشر 👉

الفصل التاسع عشر 👉

الفصل العشرون 👉

~النهاية~

 (الكاتبة)

في منزل ياسين...ذلك القصر الذي كان ينبض بال حياة ذات يوم اصبح في سبات مظلم اليوم !.. صامت بشكل مخيف وان اردت ان تستمع لشيء فلربما سيصل لك بعض اصوات البكاء والنحيب اما عدا ذلك فلا تت أمل سماع صوت ضحكة او احاديث طريفة!..

كانت سمية تجلس منذ ساعة فوق كرسيها المعتاد ولكن من دون ادوات تطريزها كما كانت في السابق...سنة واحدة قد مرت ولكنها كانت كافية لتجعلها تكبر في العمر عشر سنوات على الاقل.. غزا البياض رأسها وسيطر الذ بول على ملامحها المشرقة!..

حدقت بضياع في الاريكة المقابلة لها...علياء تجلس هناك تطلق زفرات التململ بين لحظة واخرى وهي لا تجد ما يعجبها في التلفاز...ارتسم شبح ابتسامة فوق شفاه سمية وهي تراقبها...تراقب ذلك الشعر الحريري ال طويل .. تلك العيون الزرق اء المبهرة كعيون والدتها....التفتت اليها علياء فجأة وابتسمت لتتسع ابتسامة سمية اكثر وهي تراها تشير:

- (انا بالفعل اشعر بال ملل )..

وقعت دم عتان من حدقتي سمية وهي تراقبها تكمل:

- (ربما سأذهب للمكتبة كي استعير بعض الكتب بدل برامج التلفاز المملة هذه.. هل ترافقيني عمتي؟!..)

- سيدتي؟؟...سيدتي؟!..

انتبهت سمية من شرودها لتلتفت نحو سهى التي تقف بجانبها تحمل بيدها كوب الماء والدواء.. اول ما رفعت رأسها اليها اكملت سهى:

- انه موعد دوائكِ سيدتي!..

عادت سمية بأبصارها حيث كانت علياء فوجدت ان طيفها قد اختفى.. ذلك الطيف الذي لا يف ارق ها منذ وفاتها قبل سنة مضت!...
تنهدت بحسرة ثم عادت لتنظر نحو سهى لتأخذ منها الدواء وكوب الماء وتشربه بصمت من دون ان تبدي اي تعليق...

اصبحت بالفعل قليلة الكلام وقليلة الاختلاط بالأخرين.. بل الاسرة بأكملها اصبحت قليلة الاختلاط ببعضها الاخر وكل لديه عالمه الوحيد والحزين ليعتكف به!.. كانت سنة من اسوأ السنين التي يعيشوها.....تم اعدام علياء امام اسرتها...اصيب ياسين بجلطة في الدم اغ توفي لاحقاً على اثرها بعد اشهر قليلة لفراق حفيدته العزيزة التي حاول ان يفعل المستحيل كي يحميها...ولكنه فشل في النهاية!..

ويوسف؟!... تسأ لون عن يوسف؟!... انه يحافظ على نفسه حي فقط.. لا شيء اكثر ..يريد ان يبقى على قيد الحياة الى ان يوفي وعده لعلياء بانتظار اولئك الاثنين اللذان اخبرته عنهما...وبعد قدومهما...سيبدأ بالتهور ليتخلص من حياته البائسة التي لا تحوي رفيقة طفولته وحبيبته!....اصبح شخصاً اخر تماماً.. ترك عمله.. ترك المنزل واعتزل داخل شقته.. شقته التي لا يذهب اليها ألا نادراً ويقضي اغلب وقته عند قبر علياء...يرفض مقابلة احد او اجراء حديث مع احد...سوى الحديث مع شاهد قبرها او قلادتها التي لم تف ارق رقبته يوم.. وكأن روحها ستسكن هذه القلادة الى الابد لذلك يبقيها قريبة دائماً من قلب ه!!..

- سيدتي؟.. هل اعد لكِ كوباً من الشاي؟!..

اكتفت سمية بهز رأسها بالنفي فتنهدت سهى بتألم لحال سيدتها واستدارت تريد الرحيل لولا همسة سمية باسمها...التفتت اليها فوراً لتقول:

- ناديتني سيدتي؟!..

بقيت سمية تحدق امامها وهي تميل رأسها للجانب قليلًا وتقول بصوت ضعيف:

- هل...هل من الممكن ان يكون كل هذا مجرد حلم مزعج؟!..

اكتفت سهى بالصمت وهي تفسح المجال لاعترافات سمية المكتومة:

- هل من الممكن...ان استيقظ صباحاً لأجدها كعادتها في فراشها اعجز عن ايقاظها... اضحك على تململها الطفولي في كل صباح ترفض ان تذهب للمدرسة...أعد لها شطيرتها...ارتب لها جدائلها.. اغسل لها ملابس ها!...ماذا لو كانت...لاتزال حية؟!..

ومع هذه الجملة الاخيرة اجهشت ببكاء قوي عجزت عن ايقافه وهي تغطي وجهها بكلتا كفيها.. ترفض مشاهدة واقع لا يحوي طيف ذات العيون الزرقاء!!..اقتربت سهى منها لتجلس على ركبتيها امامها وتكتفي بضمها اليها ومشاركتها بكائها كالعادة عاجزة عن ابداء اي كلمات تخفف عن سيدتها هذا الالم والحزن!!..

************************

وقفت ديما امام نافذة الصالة تتطلع بحديقة منزلها الزاهرة بعيون سارحة في الماضي و ذكر ياته المؤلمة حول اشخاص لم يعودوا قربها.. واحدة اخفى اشراقها تراب القبر واخر ينتظر مجاورتها بفارغ الصبر!.. فجأة احست بيدان تلتفان حولها من الخلف وذقن يستند فوق كتفها.. تبسمت بدفئ دون ان تحتاج للالتفات لتعرف صاحب هذه الرائحة الجميلة!..

- بماذا شاردة زوج تي الجميلة؟!..

سألها سامي لتضع يديها فوق يديه التي تحوطها وتنهدت بحسرة قبل ان تجيبه:

- وبمن غيرهما؟!..

اخذ نفس عميقاً يعبر عن نيران الالم التي في داخله وهو يقول:

- الى الان لا يمكن لعقلي استيعاب ما حصل .. فكيف عساه ان يستوعب هو؟!.

صمتت قليلًا ثم قالت:

- سامي؟!..

- نعم يا منتهى عشقي!..

تبسمت لهمسته تلك ولازال قلبها يخفق بقوة كلما سمعت عبارة مشابهة منه رغم انه يرددها على مسامعها كثيرا لًاسيما منذ زواجهما قبل شهرين!.. زواج رفض كلًا من ديما وسامي اقامة اي حفل له...اكتفيا بعقد قران لتصبح زوجته وتنتقل للعيش معه من دون اي مظهر من مظاهر الفرح احتراماً لذكرى مأساة علياء!..
اكملت ما كانت تنوي قوله:

- ألا تظن الامر غريباً؟!..

- اي امر؟!..

- لقد اصر يوسف بشدة ان نتزوج الان وان لا نؤجل الامر اكثر من ذلك!..

- وما الغريب في ذلك؟!..

التفتت اليه بعيون يملأها الشك وهي تقول له:

- بالله عليك؟!...انه في اسوأ حالته فهل تظن انه سيهتم ان تزوجنا الان او لاحقاً؟!...من ماتت هي علياء يا سامي.. وانت تعرف جيداً ما قد تعنيه علياء ليوسف.. فهل سينتبه من الاساس اننا لم نتزوج بعد؟!..

قطب حاجبيه بعدم فهم وهو يقول:

- الى ما تلمحين؟!..

- يوسف يخطط لشيء.. أليس كذلك؟..

فرد بارتباك:

- بالطبع لا.. ما هذه السخافة!..

فأجابته بحزم:

- بل يفعل!.. وانت الوحيد الذي يعرف.. أليس كذلك؟!..

ثم تجمعت بعض الدموع في مقلتيها وهي تقول له بصوت خائف:

- يوسف لا يخطط لشيء سيسبب لنا فجيعة اخرى.. أليس كذلك سامي؟!...

احاط وجهها بيديه وقبلّ جبينها وهو يقول لها ليطمئنها:

- لا تقلقي حبيبتي...لن اسمح له ان يفعل ذلك!..

عانقته بقوة لتكمل بكائها بين ذراعيها واكتفى هو بتمليس شعره ا بلطف الى ان تهدأ قليلًا!..

***********************

جلست سمية على ركبتيها امام قبر علياء لتصرخ بقوة كعادتها وليشاركها كمال ببكائها وهو يحدق بحروف اسمها الجميل منقوشة فوق شاهد القبر.. بعد دقائق من افراغ شحنات آلمها التي لا تنفذ, هدأ صراخها قليلًا واكتفت ببكاء صامت وهي تحدق بالقبر وكأنها تحدق بعلياء ممددة امامها بمنظرها الاخير والدم يغطي جسدها!..

اطلقت تنهد عميق يحمل بعض نيرانها وهي تقول لكمال دون ابعاد عينيها عن القبر:

- كيف ستمضي الحياة من دونها يا كمال؟!..

تمتم بحسرة:

- انتِ تعرفين ان حياتنا لن تمضي يا سمية.. وانها توقفت بالنسبة لأغلبنا منذ ذلك اليوم المشؤوم!..

اغمضت عينيها بألم لينزل ما تحويه من دمع وصور من ذلك اليوم تتهاطل لمخيلتها من دون رحمة!..

- انه يوسف!..

فتحت عينيها فوراً والتفتت خلفها لتجد يوسف قادم باتجاههم بخطوات بطيئة بالكاد يتمكن من سحب قدميه خلفه لتقوده لعليائه!.. لحيته قد طالت عن اخر مرة رأوه فيها.. شعره غير مرتب بعض الشيء.. جسده مغطى بملابس سوداء لا غير.. نقص وزنه بشكل ملحوظ.....بالكاد قد احتفظت هيئته بيوسف القديم!..

نظرت سمية اليه بشفقة لتقوم من مكانها وتذهب اليه قبل ان يصل اليها...وصلت اليه وعانقته بقوة ليضمها هو الاخر اليه ويكتفيان ب دموع صامتة كل واحد فيهما يشكي المه الى الاخر من دون حروف ينطقوها.. وكأن علياء اصابتهم بعدوى الخرس قبل رحيلها!..

حررته من عناقها قليلًا لتحوط وجهه بين يديها وهي تقلب بصرها بين عينيه الذابلة...فوق هيئته المتعبة.. بتلك الهالات السوداء التي تحيط عينيه.. ببشرته الشاحبة... انه بالفعل يفطر لها قلبها كلما رأته وحالته تصبح اسوأ يوماً بعد اخر!..

سحبت نفساً عميقاً واخرجته من صدرها مرتجفاً وهي تسأله بحنان:

- كيف انت يا عزيزي؟!..

نظر اليه بنظرة يائسة تحمل الضياع بين طياتها.. سؤال من الصعب ان يعرف احد اجابته ولا حتى هو.. فكيف عساه سيصبح من دونها؟!... لم يعلق بشيء واكتفى بالنظر داخل عينيها...كعادته!..

كتمت صوت بكائها من الارتفاع بصعوبة وهي تنظر اليه يموت ببطء والجميع عاجز عن انتشاله مما هو فيه...ربما بالفعل الموت هو الخلاص الوحيد لعذابه هذا الذي لن ينتهي ابداً دامه هو فوق الارض وهي تحتها!..

جلس كمال القرفصاء امام القبر ومسح بأطراف اصابعه بحنان فوق حروف اسم علياء وهو يهمس لها من وسط دموع:

- انا لم اخبركِ بهذا مسبقاً يا ابنتي.. ولكني اريدك ان تعرفي اني ممتن لكِ بشدة!...انت منحتني شعور الابوة....بعدما اصابتني الحياة باليأس من انني لن اصبح اب على الاطلاق ارسلكِ الرب لنا..... وما اجمل عطايا الرب!!...لذلك.. شكرا لًكِ صغيرتي.. انا متأكد لو ان الرب منحني طفل فما كنت سأحبه واتعلق به بمقدار حبنا انا وسمية لكِ....رغم اني قلت هذا بشكل متأخر ولكني واثق انك ادركته بشكل او بأخر من دون ان اقوله!..

ثم قام واحنى رأسه قليلًا كعلامة على القاء تحية الوداع القصير وهو يقول:

- الى اللقاء صغيرتي!..

ثم اتجه حيث يوسف وسمية....وضع يده فوق كتف يوسف وهو يضغط عليه بخفة وكأنه يطلب منه التماسك وهو يقول له:

- مرحباً بني!..

اومئ يوسف برأسه بضعف كإجابه على تحية كمال ليزيد الاخير من ضغط يده فوق كتفه ليشد انتباهه اكثر وهو يقول له:

- كن بخير يا يوسف...من اجلها!..

ادار يوسف بصره فوراً نحو القبر وكأنه يطُمئن حبيبته انه سيفعل ذلك وسيحافظ على وعده لها!.. حدثوه.. نصحوه.. واسوه...لكنهم يعرفون جيداً ان كلماتهم لن تشكل اي فرق ولن تمحي اي جزء من المه...ولن تمنحه ال امل ابداً!!.

ر حلا تاركين العاشق المتيم قرب محبوبته بمفردهما.. كل شيء سكن من حوله وكأنه يستمع لهمسات العاشق بأصغاء شديد...توقف الهواء من حوله عن تحريك اوراق الاشجار كي لا يسببوا له اي ازعاج يقطع لحظة تواصله من اميرته المدللة!.. سكنت الطيور فوق اغصانها تراقب دموعه التي يعجز عن ايقافها...كيف لأحدهم ان يملك هذا القدر من الدموع؟.. متى ستجف؟.. متى سيسمح له عقله بتقبل هذا الواقع الذي ينكره بشدة؟!..

- ولا زلتُ احبكِ!..

همسها بينما يحدق بحروف اسمها امامه ودمعتان ثقيلتان تقعان سوية من حدقتيه...اكمل بصوت ضعيف وقلبه يزداد بالانقباض اكثر ليشعر به مرتكزاً فوق حنجرته مسببا لًه غصة تخنقه لا يمكنه ان يتخلص منها سوى بالدموع:

- لا اريدكِ ان تظنِ ولو لحظة اني قد اتوقف عن حبكِ اميرتي!...

ثم ضم ركبتيه الى صدره وهو يحرك جذعه العلوي ذهاباً واياباً بتوجع بينما يكمل كلماته من وسط نحيبه:

- لماذا فعلتِ ذلك بي؟.. هل اردت تلقنيني درساً بسبب ملامتي لكِ؟....اردت ان تثبتي لي انه لا يمكنني النسيان والمسامحة ان سلبوا عزيزاً علينا؟!..

ثم استند بجبينه فوق ركبتيه ليخرج صوته المبحوح من كثرة البكاء:

- لقد اثبته لي يا عليائي....اثبته بشدة!!...انا اسف... ارجوكِ سامحيني!.. منحتكِ حبي ولكني لم افكر في يوم ان اشاركك مأساة ماضيكِ لأجعلك تتخلصين من تلك النيران التي كانت تحرقكِ وحيدة!.. كما انا وحيد الان!....هذا مؤلم يا علياء... مؤلم جداً... كيف تحملته انت يا صغيرتي العزيزة؟.. كيف طاوعني قلبي ان اترككِ لوحدكِ سبع سنوات ثم اتذمر بكل جرأة من تغيرك؟!..يا ليت الزمن يعود فقط...يا ليته فقط لو يحصل!!..

رفع رأسه من فوق ركبتيه ليقع بصره بالصدفة على وردة حمراء موضوعة بجانب القبر ب عناية كي لا يلاحظها احدهم بسهولة...ولكنه فعل!...فقد اعتاد منذ ثلاثة شهور على ايجاد هذه الزهرة بجانب القبر في هذا الموضع تماماً دوناً عن غيره...وكل زهرة كانت تحمل له قصاصة ورق تضم رسائل مختلفة!..

حمل الزهرة بلهفة ليجد قصاصة الورق ملفوفة فوق ساقها بعناية.. حررها من الخيط الذي يحيطها وفتح الورقة من انطوائها باستعجال ليقرأ مضمون الرسالة بتوتر:

- "هل يا ترى من تناجيها في قبرها.. ستسمعك؟!"..

وها هي رسالة اخرى غامضة لا يمكنه ان يفهم معناها!...أخرج بقية القصاصات من جيبه حيث يحتفظ بهن دائماً هناك!...وضعهم فوق الارض ليقرئهم بالتسلسل كما رتبهم منذ ان بدأ يتلاقهم لعله يصل لجملة معينة ستساعده او ان تمنحه معنى او ارشاد لربما كان غافلًا عنه!..

"على من تبكي بالضبط انت؟!"...

"أواثق من ان القابعة في القبر امامك تستحق دموعك هذه؟"..

"لا اظن انك بالفعل تود ان ترثي الميتة بهذا الشكل!"..

كانت رسائل غامضة بشكل يثير التوتر.. ولكنها بالتأكيد ليست رسائل عبثية...انهم يعنون شيئاً ما!.. وفجأة قطع عليه شروده امتداد يد ما من جانبه محملة بباقة زهور بيضاء استكانت فوق القبر...رفع رأسه فورا لًيفتح عينيه بصدمة......فؤاد!!!..

نظر اليه فؤاد ليتبسم بهدوء:

- مرحباً يوسف!..

وكأنه شتمه ولم يلقي عليه التحية!...قام من مكانه فوراً وانقض عليه بلكمة قوية جعلت جسد فؤاد يتزعزع بضع خطوات نحو الخلف.. ولكنه لم يبادله الضرب ولم يفقد اعصابه...كان هادئاً بشكل غريب وهو يستمع لصراخ يوسف به:

- ظننتك قلت انه لن يحصل لها شيء؟...لقد وعدتني انكم لن تفرطوا بها؟!...

ثم سدد له لكمة اخرى وهو يصرخ بدموع هذه المرة:

- لقد وعدتني ان لا تتركوها!...ومن ثم هربتم جميعاً وتركتموها وحدها!!...

ثم اردف بحدة اكثر:

- اين كنت تختبئ ايها الجبان منذ سنة كاملة؟!..

- معي!..

توقف فجأة عن الصراخ.. انقبض قلبه بفزع من هذا الصوت الذي يعرفه جيداً...ادار رأسه ببطء وفتح عينيه بصدمة وهو يرى ال رجل الواقف خلفه لتمتم شفتاه بعدم تصديق:

- عادل؟؟!!..

ثم انقبضت ملامحه فوراً ليشتعل الجحيم في وجهه وهو يتقدم اليه خطوات سريعة ويصرخ به بعصبية:

- كيف تجرؤ ايها الوغد ان تأتي الى هنا؟!..

وقبل ان يتقدم خطوة اخرى منعه فؤاد من ذلك وهو يكتف يديه من الخلف ويهتف به:

- فلتهدأ لثواني فقط بحق السماء ودعنا نتفاهم معك!..

في هذه اللحظة بهتت ملامح يوسف فوراً وتوقف جسده عن المقاومة وحدق فيها بصدمة... هل يعقل؟!..سحبه عقله بقوة نحو يوم السجن ذاك وحديث علياء..."سيأتيك رجلان.. احدهما تعرفه جيداً واخر ليس كثيراً"... أيعقل ان هذين هما؟!... ومع سكون يوسف المفاجئ هذا ادرك عادل انه بدأ يستوعب الامر.. واخيراً تم اخماد هذا البركان الهائج!!...تنهد بينما يدس يديه داخل جيوب بنطاله وقال بهدوء:

- إذاً .. هل ستثق بنا يا يوسف كما طلبت علياء منك؟!..

قطب حاجبيه بذهول وهو يتمتم بعدم فهم:

- من انت بالضبط؟!..

تبسم عادل وهو يقول:

- كل شيء ستعرفه...ولكن ليس الان.. وليس هنا!..

فأفلت فؤاد يدا يوسف واكمل بدلًا من عادل:

- خذ باقة الزهور معك للمنزل ولا تفتشها هنا...ونفذ ما يطلب منك وستفهم كل شيء!..

ثم وضع يده على كتف يوسف مشجعاً وهو يقول:

- كنت تنتظرنا طوال سنة من دون ان تتهور كي تحافظ على وعدك لعلياء....لذلك ارجوك حافظ عليه للنهاية ونفذ الاوامر فقط وسيكون كل شيء بخير.. انا اعدك!..

نظر له يوسف بتشتت وهو لا يفهم اي شيء يدور حوله.. ولكنه مع ذلك بقي صامتاً وقرر ان يفعل ما يطلباه لعله يفهم حينها!..

ودعاه وغادرا ليأخذ هو باقة الزهور ويودع حبيبته كي يعود الى شقته بسرعة من اجل فهم ما تحويه الباقة!.. اغلق الباب خلفه بأحكام وكأن قوات الجيش الخاصة ستتبعه لتسلبها منه!...جلس فوق اريكتها وحرر الباقة من عقدتها وبدأ يفتش بين الزهور الى ان وجد واخيراً بطاقة...كانت بطاقة سفر وموعدها غداً صباحاً في تمام التاسعة!....بطاقة سفر لا اكثر...لا رسالة...لا تلميح...لا شيء ليفهمه.. مجرد قصاصة صغيرة تطالبه بكتمان الامر في الوقت الحالي عن اي احد!...انها مجازفة ان يذهب مع عادل احد الاشخاص المسؤولين عن مقتل حبيبته.... ولكنها مجازفة كان ينتظرها منذ سنة!!..

فعل كما طلبوا بالضبط وكتم الامر عن اي شخص اخر وهو ينتظر حلول الصباح ما بين لهفة وتوتر!...

"على جميع المسافرين الاستعداد...."

مجرد ان سمع يوسف هذه الجملة تصدح في ارجاء المطار قام من مكانه واتجه نحو ضابط الجوازات كي يسلم اوراقه!.. بينما كان الضابط يختمها من اجله كانت عينا يوسف تتجولان في المكان بحثاً عن اي اثر لفؤاد او عادل.. ولكن لا يبدو انهما موجودين!..

- تفضل!..

عاد بعيناه نحو الضابط كي يستلم اوراقه منه وغادر من فوره نحو طائرته...وصل اليها ليفاجئ بها طائرة خاصة.. اي انها لن تحوي مسافرين سواه!.. ولكن ان كان هذا الامر مكيدة أو لا فالأمر سيان بالنسبة له!..

اخذ نفساً عميقاً وصعد سلم الطائرة بثبات.. دخله ا ليجد عادل جالس هناك يحتسي كوب قهوة بهدوء لا يمتلكه يوسف ابداً.. حدق داخل عينيه بصمت الى ان قال عادل ساخراً:

- هل تنوي البقاء هناك مطولًا؟!..

فسأله يوسف باقتضاب:

- اين فؤاد؟!..

- ذهب ليحضر البقية وسيلحقون بنا في طائرة اخرى!..

قطب حاجبيه بعدم فهم ليكمل عادل ببرود بينما يضع كوب قهوته جانباً:

- ما رأيك ان تجلس بدل ان تبدأ تحقيقك وانت واقف؟!..

زفر يوسف بضيق وجلس على الكرسي المواجه له وهو يقول بحدة:

- تحدث!..

اخذ نفساً قبل ان يجيبه:

- سمية وكمال وديما وسامي....طلبت علياء رؤيتهم ايضاً!..

توقف كل شيء حوله....اصبح يرى كل شيء بالحركة البطيئة...لا يمكن لعقله ان يستوعب ما يقوله عادل.. بل اي هراء ومزحة سخيفة هي هذه التي يتفوه بها عادل؟...أيعني ما يقول؟!...ام انه يرمي لشيء اخر لا يمكن ليوسف ان يفهمه؟!..انقبض قلبه بقوة وكلما حاول ان يربط الحروف ببعضها خرجت مجرد تأتأة لا معنى لها!.. بقي يقلب عينيه بعدم فهم داخل عيون عادل الذي اردف بذات الهدوء:

- ربما من الافضل ان ابدأ بتعريفك على نفسي اولاً...انا عادل!..

ثم رسم ابتسامة فوق شفتيه وهو يكمل:

- الاخ الاصغر لمازن!..

عند هذه النقطة هتف به يوسف:

- ماذا؟؟!!..لحظة لحظة...عن اي مازن تتحدث انت بالضبط؟..

- كم مازن تعرف انت؟

- لا يمكنك ان تكون جاد!..

- بل انا كذلك...انا اكون عم علياء الوحيد..

ثم اردف فوراً:

- ولكننا في ملفات الحكومة لا نملك الاسم ذاته.. لقد غير مازن اسمي منذ الطفولة كي لا يسجنوني معه بسبب اتجاهه السياسي... ولذلك لم تشك الحكومة ولو للحظة ان هناك صلة قرابة تربطني بعلياء لاسيما اني ومازن كنا نعيش في منازل منفصلة منذ صغري ولا نلتقي ألا سراً..

هز يوسف رأسه باستنكار وهو يقول بتشتت:

- أنا...أنا لا افهم شيء!.. كيف تكون انت عمها؟.. انت من ضربها..

ومع كلمة الاخيرة هذه استيقظت دموعه ليكمل بصوت مهزوز:

- انت...سمحت لهم بقتلها!..

- ربما من الافضل ان اشرح لك كل شيء من البداية!..

اخذ عادل نفساً عميقاً وبدأ يسرد على يوسف القصة كاملة والطائرة تحلق بهم لدولة لم يعرفها يوسف بعد:

- قبل سبعة عشر عاماً تلقيت رسالة من مازن بشكل سري.. اخبرني انه يشعر بأن هناك من وشى به للحكومة وقد يقبضون عليه هو واسرته... هم لن يعدموا الاطفال بالتأكيد لذلك ان نجت ابنته علي ان لا اجعلها تغيب عن عيناي.. ولأول مرة يطلب مني مازن ان اسلك طريقه...لا وبل ان اجعل ابنته تسلكه معي.. اخبرني ان حكومتنا فاسدة وانهم في يوم ما سيكتشفون اني اخاه وسيعدمونني من دون سبب.. وبالتأكيد سيعدمون علياء بعد سنين من اطلاق سراحها...لذلك ان نعُدم ونحن ندافع عن حقنا افضل من ان نعُدم ونحن نتوسلهم الرحمة!... وبالفعل.. ماهي ألا ايام قليلة حتى سمعت بخبر سجن مازن واسرته!...شاهدتهم كيف يعدموهم.. ورأيت تلك الطفلة الصغيرة التي اجبروها ان تشاهد ايضاً.. لو مرت علي سنين وسنين فمن المستحيل ان انسى منظر علياء...في لحظة واحدة...واحدة لا غير رأيت عيون تلك الطفلة تتحول من البراءة واليأس الى البرود والكره!..

صمت للحظات معدودة ويوسف لايزال يحدق به بضياع وعدم فهم لأي شيء:

- اظنك تعرف او استنتجت ما حصل لاحقاً.. تعرفت على فؤاد بالصدفة اثناء انضمامه للمنضمة الثورية التي كنت انتمي لها سراً.. اما علانية فأنا ضابط مرموق في الحكومة لي احترامي بين بقية اعضاء القوات الخاصة!....جعلت فؤاد ينتقل للعيش مع جده على مقربة من مزرعة علياء ليراقبها لي دائماً.. نشأت بينهما صداقة قوية لاسيما انه كان معها في السجن في الصغر!.. بعد رحيلكم من المزرعة اصبحت فرصتي اسهل لمقابلتها...لن تهمك التفاصيل كثيراً ولكن النتيجة ان علياء انضمت لنا من دون اي اعتراض!...

فقال يوسف بغضب:

- لتموت في النهاية وانت تعيش؟!..

تبسم عادل بهدوء وهو يقول:

- هل كنت تظن اني سأسمح لشيء كهذا ان يحصل؟!..

فتح يوسف عيناه بصدمة دون ان يجد ما يعلق به ليكمل عادل بذات ابتسامته:

- قل لي يوسف...هل رأيت وجه علياء عندما اعدموها؟.. ام انك اعتمدت على هيئة الجسد الذي ربما ستتشابه به مع مئات ال فتيات وقلادة سهل جداً ان ننزعها عنها لنحوط بها رقبة غيرها؟!..

ولايزال يوسف مصاباً بالخرس...انه شيء من الاستحالة على العقل ان يصدقه...كيف بعد سنة كاملة ان يقتنع انها لاتزال حية؟.. رآهم كيف يدفنون جثتها الملفوفة بذلك الكفن الابيض الملطخ ببعض دمائها...جلس قرب قبرها كل يوم على مدى سنة كاملة.. فكيف يخبره ان من في القبر.. من جلس لشهور طويلة يبكيها.. من بثها شكواه.. ليست هي؟؟!!..عاد ليتمتم بعدم تصديق وهو يحدق بعادل:

- بماذا تهذي انت يا هذا؟!..

تبسم عادل مرة اخرى وهو يكاد يجزم انه لو انصت جيدا لًربما سمع ضربات قلب يوسف في هذه اللحظة:

- انضممت للدولة فقط من اجل هذا اليوم!.. علياء بالنسبة للدولة من المطلوبين المهمين الذين لن يتهاونوا بإيجادهم ابداً ؛لاسيما بعد قتلها لسبعة من اهم الضباط في الدولة...هم كانوا يشكون بأمرها منذ البداية وقرروا القبض عليها حتى من دون دليل...لذلك وببساطة جعلتها تترك بصماتها في مكان جريمتها لأجد انا هذه البصمات.. فأن وجدت انا الدليل سأكون انا المسؤول عن التحقيق معها دون غيري لذلك كنا مضطرين لهذه المجازفة... فمن المستحيل اخراجها من الدولة مهما فعلنا.. فأمرها قد تم نشره على جميع الوحدات ليقبضوا عليها ان حاولت الهرب.. وبالتالي لا حل لدينا سوى ادخالها للسجن واقناع الدولة بأمر موتها كي ينسوا امرها تماما.. وان رأوا في يوم ما واحدة تشبهها فلن يشكو ولو للحظة انها علياء...وبذلك لن تضطر للهرب طوال حياتها والعيش بخوف من ان يعيدوها ويقتلوها!... لذلك ببساطة وفي الليلة التي تسبق اليوم المقرر لإعدامها قمت بإدخال مجندة في القوات الخاصة تتشابه مع جسدها نوعاً ما وقمنا بتخديرها كي لا تسبب ضجة ويشكو بأمرها.. وبما اني الضابط المسؤول عن علياء فلن يتمكن احد من فتح الزنزانة غيري...وعندما بدأت تستعيد وعيها حان الوقت لتبدأ فائدة الكيس الاسود الذي كنا نراه كاللعنة!...كان كافياً ليغطي ملامح وجهها مع شريط لاصق بسيط فوق فمها تكون خطتنا قد اكتملت...وتم بالفعل
تهريب علياء خلال الليل!...وبالتأكيد تلك الحركات التي كانت تقوم بها المجندة ونحن نقودها للإعدام من رفضها للسير معنا ومن صوت بكائها كانت اشياء طبيعية يشاهدها الجنود في كل شخص محكوم عليه بالإعدام...لذلك لم يشك اي احد في امرها على الاطلاق حتى بعد موتها...فتلك الرصاصة التي اطلقوها في رأس المحكوم عليهم كافية لتشوه لهم ملامحهم......وهكذا علياء اصبحت ميتة بالنسبة للدولة!..

لم يعرف يوسف بالضبط ما الذي عليه فعله...هل يضحك بهستيريا؟.. ام يبكي من شدة سعادته؟!...هل يصدق ما يسمعه؟...ام انها مجرد خدعة من عادل؟!...لذلك لم يقم بأي رد فعل على الاطلاق سوى الاس تمر ار بصدمته وهو يحدق بعادل.. فكيف عساه ان يثق بشخص كان السبب في اعدام حبيبته؟.. هل يصدقه؟.. كيف سيصدق مجرد كلام نطقه من دون اي دليل؟....لذلك هو انتظر... انتظر فحسب!!..

*************************

هبطت الطائرة في مطار دولة لا يعرفها.. ولم يهتم بمعرفتها في الحقيقة.. ابقى تركيزه على تلك السيارات السوداء التي تقف عند باب الطائرة... ركبها بصمت بجوار عادل وقلبه لايزال متزعزعاُ ما بين الطمأنينة وعدم الثقة بما يحيطه...سارت السيارة لمسافة قصيرة.. او ربما طويلة... لم يهتم يوسف كثيراً بحساب الوقت.. ولم ينتبه لحسابه... ماذا ان كان عادل صادقاً فيما يقول؟.. ماذا ان كانت بالفعل....حية؟؟....هل يمكن ذلك؟.. هل بإمكان القدر ان يمنحه هذه السعادة؟!!..

توقفت السيارة فجأة ليشعر يوسف ان قلبه توقف معها ايضاً.. نظر نحو عادل بتوتر ليبتسم له عادل ويقول:

- انزل....انها تنتظرك!..

خفق قلبه بقوة وفتح الباب بروية...يخشى ان يستعجل بهذا ويستيقظ فجأة ويكتشف انه داخل حلم جميل!..

نزل منها واستدار من خلفها وهو يسحب قدميه بصعوبة من خلفه.. ان وجد ان الامر برمته خدعة فسيتهشم قلبه من جديد وكأن علياء ماتت لتوها بعد ان دخل بعض بصيص الامل قلبه من انها لاتزال حية!..

وفجأة ازدادت ضربات قلبه اكثر وهو يلمح تلك التي تقف عند ساحل البحر تدير ظهرها ليوسف وتواجه البحر بنظراتها...شعرها يتراقص بفعل الهواء خلف رأسها...لقد طال كثيراً عن اخر مرة راه فيه...تراخت قدماه اكثر ولكنه اجبر نفسه على الاستمرار بالمسير.. وقعت دمعة.. تليها اخرى.. ضاقت انفاسه.. خفق قلبه.....تمتم بعدم تصديق:

- علياء ؟؟!!...

وكأن الهواء اشفق على حال هذا العاشق وحمل همسته لها...لتلتف له ذات العيون الزرقاء وترسم ابتسامة شوق عاشقة فوق ثغرها وهي تنظر اليه.........علياء!!..

***********************************************************

حاولت ان اخط لكم بقية كلماتي كي اصف لكم لقائهم.. كي اسرد لكم كلماتهم.. حاولت ان اعبر عن شوقهم وسعادتهم.. ولكن وجدت نفسي افشل ببراعة!...كيف عسى مخيلتي ان تضع الحدود لخيالكم وانا اسرد طبيعة اللقاء بينهما؟!...لذلك فلتطلقوا العنان لخيالكم الجامح اعزتي وليسرد كل قارئ النهاية التي يجدها تناسب هذا اللقاء لاسيما وهو قد عرف طبيعة العشق الذي ربط هذان الاثنان طوال فصول روايتي!...


المصدر: ponyponyyy

إكتشف محتوى اكثر

تعليقات

  • عاءلتى حياتي

    عيشت العنوان بكل حروفه عند القراءة اووووووووه راءعة مشوقة تستاهل تكون مسلسل او فيلم ويتوج بالاوسكار واووووو

  • ورده الجوري

    روعه روعه 😍😍😍تسلم ايدك حبيبتي ان شاء الله دائما متألقه بكتاباتك بس صراحه حبيت تتمي النهايه لقاء سميه وكمال وديما مع علياء بس حلوه كتير 😍😍😍😍😍😍

  • زهور🌸

    ما رحمت غير جدها اللي صابته جلطة يحسب انها ماتت الله يسامح الكاتبة لعبت بنفسيتي 😂

  • SaLma Belymam

    انا ببكي من الفصل الي فات و فلحضه ما ستوعبتش الي بيحصل و رجعت ابكي ثاني صراحه احسن روايه تمنيت يكون لها ج2

  • اميرة بشخصيتي

    بس للحظه وحده شكيت ان تكون النهاية ماساوية ولكن .... اووووه صراحه ابدعت الكاتبة في كتابة النهاية وحتئ البداية كانت روعه وكذلك كانت حياة علياء عباره عن صدمه بالنسبه لي وليس ليوسف فقط هههههه بس صراحه ابداع واتمنى للكتابه ان تكون دائما هكذا ...استمري بالتألق

‎استخدم تطبيق Hayaa لعرض تعليقات 43 المتبقية
إكتشف محتوى اكثر
افتحي Hayaa للمشاركة في المزيد من المواضيع النسائية
فتح

تحميل تطبيق Hayaa

لإدارة صحة فترة الدورة الشهرية ، شاركي في المواضيع الخاصة بالمرأة

Google play
App store

تم النسخ