رواية: اشباه عاشقين -الفصل الثانى و العشرون

الفصل الأول 👉

الفصل الثانى 👉

الفصل الثالث 👉

الفصل الرابع👉

الفصل الخامس👉

الفصل السادس👉

الفصل السابع👉

الفصل الثامن 👉

الفصل التاسع👉

الفصل العاشر👉

الفصل الحادى عشر👉

الفصل الثانى عشر👉

الفصل الثالث عشر👉

الفصل الرابع عشر👉

الفصل الخامس عشر👉

الفصل السادس عشر👉

الفصل السابع عشر👉

الفصل الثامن عشر👉

الفصل التاسع عشر 👉

الفصل العشرون👉

الفصل الواحد و العشرون👉

-22-

محكمة

أتعلمون لما الحب مؤلم؟!...
لأننا دائماً ما نختار الاشخاص الخاطئين لمنحهم مشاعر نا الصادقة..احسنو اختيار من تحبون ف الحب لعنة ابدية!..

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

#(يوسف)#

احياناً نغمض اعيننا بتعمد كي نتجاهل حقائق واضحة...حقائق ستصحي لنا ضميرنا الميت من سباته وتجعلنا نعيش عذاب يكون الجحيم ارحم منه بكثير!..

"ماذا لو وصلت للنهاية واكتشفت ان الشياطين بأمكانها انجاب ملائكة".. اجل ماذا لو؟!..بل ماذا لو اكتشفت انه لا توجد شياطين سواي؟!..

- يوسف؟!..

فتحت عيناي التي اغمضهما بالم وغضب على نبرة امي المتوجسة ردة فعلي..ولولا كونها امي..ولولا كونها عانت طوال سنين..لكانت ضحية تلك الشياطين التي تتقافز بعقلي تحثني على ارتكاب جريمة بأي شخص امامي!..
التفت اليها باقسى ما امل ك من ملامح.. ولكن من دون ان اقول شيء..كنت اكتم حروفي واطلق سراح انفاسي الملتهبة فقط ليرتفع صدري وينخفض بجنون يكاد يكسر لي عظام قفصي الصدري... وقعت دم عة من بين جفون امي دون ان اعرف ان كانت دمعة ملائكة ام تماسيح وقالت لي نبرة مرتجفة:

- سلوى لم تقل الحقيقة كاملة..اقسم لك ان ليس هذا ما حصل...انا لم اكن اعرف ان ادهم تنازل لابيك عن كل ما يملك لذلك اصابتني الصدمة حين عرفت ان اباك سجل كل شيء بأسمه..لذلك وكلت المحامي ليعرف لي الحقيقة..

تقدمت خطوات ثابتة بأتجهاها واحنيت جسدي قليلاً وانا استند على اذرع الكرسي الذي تجلس عليه وحاصرتها بين يداي وانا اقول بنبرة اقرب لهمس الشيطان نفسه:

- سأسألك لمرة واحدة فقط لا غير.. واياك والكذب امي!..

فتحت عيناها بخوف وهي تحدق بعيوني المرعبة..كانت روحي مظلمة وكأنها ضائعة بعالم اخر..وكأن الشيطان قد تلبسني كلياً..انا شبه غائب عن الوعي الان..ربما سأرتكب جريمة من دون ان اعرف..وكأني مخدر او ثمل!..
اخرجت حروفي ببطئ من بين اسناني وانا اسألها وعيوني تقدح بالشر:

- موت ادهم..هل لكِ علاقة به بأي شكل من الاشكال؟!..

شيئاً فشيئاً تقلص وجهها واتسعت حدقتيها وتجهمت ملامحها وهي تهتف بي بحدة:

- هل فقدت عقلك؟!..

استقمت بظهري وضربت بحركة سريعة الملفات فوق سطح المكتب وصرخت بها بغضب اشد:

- وهل بعد ما عرفته تتوقعين مني ان ابقى محافظاً على عقلي؟!..

وقفت امامي وخاطبتني بلهجة لا تحمل اي تزعزع في نبرتها:

- يوسف!...حين اردت استعادة حقك والحفاظ عليه لا يعني ابداً اني سأصبح مجرمة وعديمة الانسانية لهذا الحد!..

- استعادة حقي؟!..وهل ميرنا من سلبت حقي لننتقم منها؟!..فحسب ما ارى هي الخاسرة الوحيدة في هذا الانتقام كله..

رفعت حاجبها الايمن بحدة وهي تجيبني بثقة:

- انت كنت تعرف جيداً انها مظلمومة ولم تسلب منك شيء..فلم وافقت على الاس تمر ار بالخطة؟!...

- لأنك اخبرتني ان الشياطين من الاستحالة ان تنجب ملائكة!..

اهتز صوتي بضعف وانا اكمل احاول السيطرة على دموع ي وافشل:

- اخبرتني انها ستكون نسخة منهما.. اقنعتني انها تسعى للاستحواذ على كل شيء ايضاً!..

ضربت المكتب بعنف وانا اكمل صراخي المجنون:

- اخبرتني ان تلك العائلة ملعونة ولن تتواجد الانسانية بينهم!..

انهار جسدي فوق الكرسي واحطت رأسي بيداي وانا اخفض وجهي لاكمل دموعي بصمت م طبق ...ف اليوم هي محكمتي.. محكمة الشيطان..اليوم قد رمي به للجحيم ليتلقى عقابه الابدي!..
ثواني واحسست بجلوس امي على الكرسي المقابل وقالت بهدوء:

- منذ ان بدأنا الامر اخبرتك انها الضحية الوحيدة لخطتنا.. وانت وافقت... منذ البداية عرفنا انك ستفقدها ..وانت وافقت...

لحظات واكملت:

- بداخل هذه المعركة لا يوجد طرف ظالم واخر مظلوم يا يوسف.. بداخل هذه المعركة جميعنا ظَلمنا وظُلمنا.. لنا الحق وعلينا...ولكل معركة خسائر وارباح!..

اخذت نفساً عميقاً يخفف لها نيرانها ثم اكملت:

- اعترف بذنبي حين ظلمت ادهم بظني.. ولكن سلوى ظلمتني ايضاً حين قررت نفي بعيداً من دون حتى رأس مال نبتدأ به حياتنا... ادهم كان مظلوماً حين دفع كل شيء لابيك وتنازل عن كل شيء لأجله...ولكنه كان ظالماً حين رضي بنفينا دون ان يسأل عنك بعدها... ان كنت انا قد اذنبت بحقهم فأنت لا ذنب لك وعاصم قد اوصاه بك.... فلما لم يحافظ عليك؟!..لما لم يبعدنا ولكن يرعانا؟!..يهتم بدراستك؟ بعملك؟ ب حياتك ؟...لما نفاك دون ان ي ذكر ك مرة اخرى؟!..

قاطعتها بصوتي الضعيف:

- وهي من دفعت الثمن!..

- لكل معركة قربان!..

رفعت رأسي اليها دفعة واحدة بغضب شديد وقلت لها بأستهجان:

- ألا تشعرين بالقليل من الذنب اتجاهها؟!..

- شعوري بالذنب لا يعني ندمي عما فعلته.... ولا حتى انت تشعر بالندم!..

كلامها اخرسني..بل قتلني...مزقني.. احرقني وانا على قيد ال حياة ....فهي محقة..اشعر بالذنب..اشعر بتأنيب الضمير...ولكني لا اشعر بالندم..وهذا ما يجعلني اكره نفسي اكثر... برغم كل شيء لو اعادو الزمن الف مرة كنت فعلت ما فعلت الف مرة لأشعر بهذا الرضا الذي ا شعره الان بعد ان استعدت كل شيء...اصبحت الملك وسط كل هذه الممتلكات والاموال..المستحوذ على كل شيء....ولكني تعيس بطريقة لم اعيشها مسبقاً...لأكتشف حينها فقط ان الاموال والانتقام لن يجلبا لي سعادتي بقدر ما يجلبه قربها هي!..

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

 (الكاتبة)

لقد وصف اينشتاين النسبية بطريقة مبسطة جداً..."اجلس مع محبوبتك ل مدة ساعة ستشعر انها دقيقة...ضع يدك لمدة دقيقة على صفيح حار ستشعر انها ساعة..هذه هي النسبية"...اذاً الزمن بامكانه ان يكون بطيئاً او سريعاً ليس اعتماداً على قانون معين بل يعتمد على ما نشعر به.. عما ننتظره.. قد يكون طويل اً لمن ينتظر السعادة وقد يكون قصيراً لمن يعيشها... وما كان يعيشه يوسف هو النسبية بحد ذاتها...

لقد مر شهر كامل...30يوم..720ساعة.. 43،200 دقيقة...كل دقيقة تمر يحتسبها بغيابها ويتمنى ان يجدها في الدقيقة القادمة..ولكن لا فائدة... وكأنها ذهبت مع الريح...حبيبته هذه بارعة جداً في الاختفاء ان ارادت ذلك وسط هذه المدينة الكبيرة...راقب الميتم الذي كانت تزوره غالباً ولكنه لم يشاهدها تحضر رغم ان الاطفال يخبرونه انها تزورهم ولكن باوقات غير محددة ومفاجئة..
وكأنها تدرك مراقبته ولا تحضر ألا بعد رحيله....وحتى الحرس الذي وضعهم يراقبون الميتم ل24 ساعة لم يستطيعو رؤيتها..جن جنونه..انفجر قلب ه بالاشتياق لها...يقتله ضميره كل يوم وهو لا يعرف كيف تعيش وماذا تعمل بعد ان تنازلت عن كل شيء له!..

يوم ككل يوم اخر..بائس وتعيس..يصرخ بالموظفين لأبسط الاسباب واعظمها.. يحطم اقرب شيء له ويلعن كل شيء.. بدأ يطلقون عليه سراً "الوحش البائس".. وبالفعل كان يرى نفسه كذلك!..

عاد نحو المنزل بعد يوم عمل متعب.. نحو المنزل الذي اعتنقها لسنين طويلة..الذي شهد طفولتها.. حمل صوتها بين زواياها..ضحكتها..دموعها.. شكواها...ذلك المنزل الذي اصبح خالي منها!..
نزل من السيارة كمحارب مهزوم يسحب اطراف العار خلفه بصمت..فتح الباب ودخل فأستقبلته سديم بتحية جامدة:

- اهلاً بعودتك سيدي!..

لم يرد عليه بشيء ولم تستغرب بذلك.. فهم قد اعتادو هذه التصرفات منه.. هم يعرفون انه بداخل هذا الانسان القاسي عاشق منكسر يخفي دموعه خلف قناع بروده..يحتفظ بكل شيء في البيت كما هو..وكأنه يراها بكل شيء حوله..حتى الخدم رفض تبدليهم او جلب اخرين عندما طلبت امه ذلك...ابقى كل شيء على ما هو عليه..كل شيء باقي ألا هي مفقودة!..

صعد درجات السلم بخطوات متباطئة بالكاد يتمكن من رفع قدمه ليصعد من شدة تعبه...فهو يسهر لوقت طويل في الليل مع ذكراها ويستيقظ في الصباح مبكراَ وينشغل وسط اكوام العمل دون راحة لعله يشغل عقله وينهك جسده فينسي قلبه ذكراها ويرتاح من تلك النار.. ولكن يحصل في النهاية على متاعب جسد وقلب في آن واحد!...

- ألن تتناول غدائك عزيزي؟!..

وصله صوت امه من اسفل السلم فتجاهله كما تجاهل صوت سديم.. وكأنه منوم مغناطيسياً لا يدرك ان هناك اخرون يعيشون معه في هذا العالم!..

وصل الى الطابق الثاني..ولكنه لم يتجه الى غرفته..بل الى غرفتها.. كعادته في كل يوم عندما يعود من عمله وقبل خلوده لنومه... فتح الباب ودلف الى الداخل واغلقه خلفه لينعزل بذكرى حبيبته لوحده بعيداً عن ضوضائهم وهمساتهم...
جالت عيناه المنكسرة ارجاء الغرفة... منضدة تزيينها...فرشاة شعره ا التي نسيت اخذها...مئزرها الملقى على الكرسي حيث تركته اخر مرة ولم تضعه مع حاجياتها...قلمها..قصاصة ورق.. وسادتها...سريرها.. اثاثها الانيق.. اريكتها المفضلى حيث تجلس دائماً.... والاهم من هذا كله...السيد ويزلي!... ذلك الدب المحشو الذي كانت تعشقه بجنون منذ طفولتها لأنه منه تعمدت تركه فوق سريرها وهي تدرك جيداً ان يوسف ان حضر بعد رحيلهم سيأتي لغرفتها وسيراه... تريد ان تشعره انها بالفعل تخلت عنه وعن كل ذكرى مرتبطة به...
كان قلبه يؤلمه كل ما وقع بصره على الدب.. لايريد ان يتقبل حقيقة انها من الممكن ان تنساه وتتخلى عنه وعن كل ما يذكرها به..يحبها بتملك وانانية.. يريد بقائها وولائها له وان اذاها..تثير جنونه فكرة رحيلها عنه وعدم الشوق اليه مقابل شوقه اليها!...

اقترب من سريرها واستلقى عليه ليستنشق انفه عطرها الاخير فوق وسادتها...شعرها ال ناعم كان ينساب هنا بأريحية قبل شهر فقط!..
انسابت دمعة ضعيفة من بين جفنيه وسارت بخجل فوق قمة انفه لتسقط بقوة فوق وسادتها لعلها توصل لصاحبتها مدى شوقه اليها وندمه..لعلها تستشعر عذابه وترفق بحاله لتمنحه عطر صاحبتها لتخمد له ناره..غرس وجهه في الوساد اكثر وهمس بصوته المبحوح والضعيف:

- انا اسف...ارجوكِ عودي...ارجوكِ اصفحي عني!..

هذا الوحش البائس لا يضعف ألا عندها وفي محراب حبها الذي اغلقت ابواب غفرانها بوجهه!..
دقائق من البكاء المتواصل وكلمات الندم الصادقة التي يمنحها لوسادتها بدلاً عنها حتى قطع عليه طقوس ه المقدسة رنين هاتفه...في وقت اخر كان سيتجاهله.. ولكنه الان في خضم البحث عنها وينتظر اي اتصال بلهفة لعل احداها يحمل اليه خبر عنها!..
اخرج الهاتف من جيبه ليشاهد اسم رأفت يضيء الشاشة..قطب حاجبيه بأستغراب فرأفت لم يتصل منذ رحيله!..

- رأفت؟!..

- مرحباً..

- اهلاً بك..

- هل انت نائم؟!..

تنحنح يوسف فوراً ليجلي صوته المبحوح وقال:

- لا..متعب فقط!..

- حسناً...لقد سمعت من البعض انك تبحث عن ميرنا!..

جذب هذا الاسم كل حواسه ليركز مع رأفت وهو يقول بلهفة لعل الاخر يحمل من اجله شيء او سيعرض عليه مساعدة:

- اجل؟!..

اخذت رأفت نفساً سريعاً ثم قال:

- حسناً...هذه ستكون الخدمة الاخيرة التي اقدمها لك..اعتبرها كرد شكر لصداقتنا الطويل ة!..

اجاب سيف بنبرة اكثر لهفة:

- هل ستساعدني بالبحث؟!..

صمت رأفت للحظات ثم قال:

- لا، لن ابحث...فأنا قد وجدتها من الاساس!..

ومع هذه العبارة قفز يوسف من السرير وقد دب كل النشاط في جسدة وصرخ بسعادة وحماس:

- ماذا؟؟!!...

ضحك بجنون من فرط سعادته وهو يقول بحروف مرتجفة:

- أأنت جاد يا رأفت؟!..أأنت واثق؟!.. هل هي حقاً؟!..

ضحك رأفت لبلاهة صديقه وعشقه لهذه المخلوقة ثم قال:

- حسناً يا احمق لا اظن ان مراقبة سنين لها ستجعلني اخطأها..بالطبع انا واثق!..

انطلقت قدماه تتسابق مع الهواء ونزل السلم راكضاً وهو يقول:

- اعطني العنوان بسرعة!..

- سأرسله لك في رسالة..قد لا تفهم الوصف!.

- حسناً حسناً ولكن اسرع!..

تخطى الصالة بخطوات سريعة وعريضة غير آبه بندآت امه وسؤالها عن وجهته...ركب سيارته وانطلق بها بجنون ليخرج من المنزل متجهاً للعنوان الذي ارسله رأفت!..

*****************

اقفلت المحل ورفعت بصرها نحو الواجهة بأبتسامة..."السيد ويزلي للمعجنات" ومن ثم جملة صغيرة في الهامش "بأدارة ميرنا اليوسفي"... كانت تتبسم كلما قرأت هذه الجملة..نعم هو لايزال متجراً صغيراً وفي اطراف المدينة وليس في مركزها ولكنه على الاقل من جهدها هي..بدأت بالفعل بتكوين نفسها من الصفر كما كانت تتمنى...
حملت اكياس مشترياتها واخرجت كيس سكاكر الشوكولا تأكله بأستمتاع وهي تتمشى نحو شقتها التي تبعد مسافة 15 دقيقة سيراً على الاقدام...كانت تقطن في منطقة سكنية هادئة بعيداً نسبياً عن المدينة وضوضائها..رغم بساطتها ولكنها نالت اعجابها اكثر من الحي الفاخر الذي كانت تعيشه..تعرفت هنا على بعض الجيران خلال هذه ال فترة القصيرة بينما كانت تعيش هناك سنين ولم يجمعها بجيرانها حتى تحية الصباح..ذلك الحي كان يسكن في عالم السرعة والتكنولوجيا وتجميع الاموال... اما هنا فالامور ابسط بكثير..الاموال تجمع لسد الحاجة وليس لتكديسها بجنون.. يفض لون الزيارات والاستمتاع بصحبة بعضهم البعض على السفر بمفردهم... كل شيء هنا يتسم بالبساطة والق بول من غير ان تتعرض للأنتقاد الدائم!... اما بشأن يوسف..فحسناً هي لم تنساه ولكنها تتناساه..وهي تنجح بذلك.. تقبلت حقيقة انه خذلها كالاخرين وانها بدأت حياة جديدة بعيداً عنهم..لذلك اكتست ذكرياتها بالبرود اتجاهه عكس الشوق الذي يغلف ذكرياته هو.... فأحياناً الخذلان المتواصل يغتال كل الحب الذي يعيش بداخلنا..وننسى من كنا..وما كانو هم بالنسبة لنا!!..

وصلت الى حيها وشاهدت مروان الصغير يتشاجر كالعادة مع اصدقائه فيمن فاز في سباق الدراجات الهوائية.. هذا الفتى عنيد جداً ولا يرضى بالهزيمة!.. تبسمت بأستمتاع على منظره ومن ثم حولت بصرها بأتجاه السيدة غادة والدة مروان التي تثرثر مع جارتهم ايناس بشأن ال طبخ والتنظيف..رفعت يدها كتحية لهما فردتاها بأبتسامة لتردف بعدها غادة فوراً:

- سأرسل لكِ مروان بعد قليل بالطعام..لقد اعددت اليوم طبق الدجاج المتبل مع الحساء المكسيكي الحار كما تحبيه بالضبط..

تبسمت وهي تجيبها:

- جيد انك اخبرتني كي لا اعد الغداء.. شكراً لكِ سيدة غادة!..

- على الرحب والسعة عزيزتي!..

فتحت باب العمارة واستقلت المصعد نحو شقتها في الطابق الثالث..طن جرس المصعد لينفتح بعدها وتخرج نحو شقتها.. وصلت اليها..ادخلت المفتاح في مكانه.. فتحت المقبض..

-ميرنا؟!..

وتجمدت!...فجأة عادت اليها تلك النبضات العنيفة التي غادرتها منذ شهر... فجأة احست بالحرارة تنبعث من عينيها وسائر وجهها..ارتجفت اطرافها... تشنجت رئتها....هل بالفعل قد نسته؟!.. ام فقط لأنها ابتعدت عنه فقد تناسته؟!..
استدارت بحركة بطيئة خلفها..لاتريد ان تصدق ماسمعت..يا ليته لو كان حلماً.. يا ليته يختفي فقط!..
استدارت وقبل ان ترفع رأسها لتلتقي بعينيه اصطدم وجهها بصدره وهو يضمها اليه بقوة يكاد يهشمها او يغرسها بين ضلوعه... لا يصدق انه بالفعل قد وجدها...لا يصدق انها بالفعل الان بين يديه..كان كل ثانية يضغط يديه اكثر حولها يضمها اليه وكأنه يريد ان يصدق انها بالفعل هي!..
اما هي..فلم تتحرك..لم تبتعد ولم تبادله العناق..كانت تعيش في لحظتها اضطراب مشاعر..اشتاقت لحضنه هذا ولكنها بالوقت ذاته كرهته.. تريده ولا تريده..تعشقه ولا تعشقه..تهرب منه اليه.. كل شيء مناقض تكرهه وتحبه اجتمع في يوسف هذه اللحظة!..
بقيا على هذا الوضع لعشر دقائق كاملة من غير حراك الى ان بدأ يوسف يخفف ضغط يديه حوله وابتعد قليلاً كي يتمكن من رؤيتها...التقت عيناه التي تحمل كل شوق العالم بعينيها الباردة التي لم تهتم بوجوده...وكأن الا دوار قد انعكست...لقد وهبها عيونه البارده لتهبه عيونها التي كانت تشتاق اليه من غير ان يبالي....سحب يديه من خلفها واحاط وجهها بقوة يجبرها ان ترفع بصرها اليه.. ولكنها لم تمانع منذ البداية ان تركز بصرها داخل عينيه...لم تتهرب منه كالعادة بنظراتها...وهذا ما قتله... انها تتعامل معه بأعتيادية!..

- لقد بحثت عنكِ كثيراً!..

اجبته بقلة اهتمام:

- لماذا؟!..هل نسيت شيء في منزلك واتيت لتحضره!..

- ميرنا انا اسف..

ابعدت يديه بهدوء عن وجهها وتراجعت خطوة للوراء بعيداً عنه وقالت بأستهجان:

- أتظن ان ال"اسف" ستختصر كل شيء يا سي..

قطعت جملتها وهي تكمل بسخرية:

- اعني يوسف!..

قال بأنكسار يبرر لها ذنبه:

- يا ميرنا اقسم لكِ اني لم اكن اعرف شيئاً وان امي لم تخبرني بالحقيقة كاملة!..

عندها صرخت به وقد تخلت عن هدوئها:

- ولكنك كنت تعرف انه لا ذنب لي بذنب اسرتي حتى وان كانو مذنبين!..

-سنين المعاناة التي عشتها انا وامي جعلتني ارضى بأي طريقة كي استعيد حقي!..

فقالت بأستحقار:

- ولقد استعدته...اذهب لتستمتع بأموالك وسلطتك..أليس هذا ما كنت تسعى اليه طوال سنين؟!..أليس هذا ما تخليت عن كل شيء من اجله؟!...اذهب لتعيشه بعيداً عني!..

فقال بحسم وثقة:

- وسأفعل كل شيء لأستعيدكِ..

دفعته من صدره بعنف وهي تقول:

- انا لست احدى ممتلكاتك ايها الاناني ولن اكون!..

امسكها من يديها وقابل غضبها بأبتسامة وهو يقول بهدوء:

- لست احدى ممتلكاتي يا ميرنا ولن تكوني...انتِ شيء اثمن من هذا بكثير.. وسأفعل المستحيل لأستعيدك وسأرضى بأي عقاب وشرط تفرضيه علي مقابل مسامحتك لي!..

حدقت بعيناه بحدة بينما يقترب هو منها خطوة ليقصر المسافة بينهما اكثر وقال بينما يمسك احدى يديها بيد وبالاخرى يبعد خصلة نافرة من شعرها قد سقطت على وجهها:

- اعلم ان ذنبي لا يغتفر.. واعلم اني اذيتك كثيراً وكذبت كثيراً...ولكني لم اكذب يوماً في حبي...لو كنت اكذب لتركتك فور تنازلك لي عن الممتلكات واستعادة كل شيء..ولكن وبرغم كل شيء لا زلت متمسك بكِ...انتقامي لم يكن باطلاً فأنا لم اكن اعرف الحقيقة.. وانتِ ذاتاً كنتِ تجدين ان عائلتك مذنبة فكيف بي انا؟!..

سقطت دمعة ضعيفة تشاهده يذرفها لأول مرة لأجلها واكمل بينما يعانقها مرة اخرى ويغرس وجهه بين خصلات شعرها:

- لقد تعبت كثيراً يا ميرنا...تعبت من معاناتي..من فراقك..من انتقامي... تعبت كثيراً ولن ينقذني ألا انتِ...بكلمة واحدة منكِ..بأبتسامة...انا احتاجك اكثر مما احتاج اي شخص اخر!..

اغمضت عيناها بتألم ولكن برغم هذا لا يمكنه منحه المسامحة..فبداخلها هي لم تسامحه بعد وهي قد اكتفت من تفضيل غيرها على نفسها لأسعادهم متناسية سعادتها هي!...سحبت نفسها من بين يديه بهدوء ونظرت له بجمود وهي تقول:

- اسفة يا يوسف...انا لم اعد كما عهدتني.. لقد تغيرت كما تغيرت انت...لقد بدأت حياة جديدة بعيداً عنكم جميعاً لذلك كفوا عن اقتحامها لتدمروها من جديد!..

ثم استدارت وفتحت بابها فسمعته يقول:

- انا لن ارحل ولن اترككِ!..

دلفت الى الداخل وهي تقول بعدم مبالاة:

- افعل ما يحلو لك..لا يهمني!..

واغلقت الباب خلفها من دون حتى ان تمنحه نظرة اخيرة..فاحياناً برودنا من الممكن ان يعكس عشقنا المكتوم الذي نرفض البوح به...ربما ليس برودها فقط.. ربما خاتم خطوبتها ايضاً الذي لايزال يحوط اصبعها ويحمل اسمه... ربما اسم متجرها الذي يرتبط به نوعاً ما... ربما تلك القلادة التي لا تزال تحيط عنقها تحمل صورته في طفولته.... العشق لا يرتبط بكلمة "احبك" فقط..بل هو ينعكس بتصرفات اخرى نثبته من خلالها.... حين نعبر عن مشاعرنا بمواقف ستكون اسمى من مجرد اربعة احرف!..

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

المصدر: ponyponyyy

إكتشف محتوى اكثر

تعليقات

  • هناء رضوان

    امتى الجزء ال 23 ينزل?

  • Ahlam Aboud Manasra

    يس

  • Sāñfôrã Säñfõrâ

    اهلا

  • Yaser Munther

    مرحبا

  • Yaser Munther

    هلاو

‎استخدم تطبيق Hayaa لعرض تعليقات 11 المتبقية
إكتشف محتوى اكثر
افتحي Hayaa للمشاركة في المزيد من المواضيع النسائية
فتح

تحميل تطبيق Hayaa

لإدارة صحة فترة الدورة الشهرية ، شاركي في المواضيع الخاصة بالمرأة

Google play
App store

تم النسخ