رواية: اشباه عاشقين -الفصل الرابع و العشرون

الفصل الأول 👉

الفصل الثانى 👉

الفصل الثالث 👉

الفصل الرابع👉

الفصل الخامس👉

الفصل السادس👉

الفصل السابع👉

الفصل الثامن 👉

الفصل التاسع👉

الفصل العاشر👉

الفصل الحادى عشر👉

الفصل الثانى عشر👉

الفصل الثالث عشر👉

الفصل الرابع عشر👉

الفصل الخامس عشر👉

الفصل السادس عشر👉

الفصل السابع عشر👉

الفصل الثامن عشر👉

الفصل التاسع عشر 👉

الفصل العشرون👉

الفصل الواحد و العشرون👉

الفصل الثانى و العشرون👉

الفصل الثالث و العشرون👉

-24-

احتدام

حين نحتضر س نمو ت لمرة واحدة... ولكن حين نفقد من نحب سنموت كل يوم!..

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

#(يوسف)#

هل جرب ت في يوم ان تتعرض حياتك للخطر؟!..هل تعرف ما هو الشعور الذي يغمرك حين يصوب احدهم فوهة مسدس على رأسك ويبدأ بالعد التنازلي من العشرة وعند وصوله للصفر سيقتلك؟!....ستشعر بانفاسك تتشنج.. ق دم اك ترتخي.. قلب ك يسقط بين اضلاعك.. لن تتمكن من الحركة ولن تسيطر على ارتجافة جسدك... تماماً هذا الذي يحصل لي الان وهي ملقاة بين يداي مغطاة بدمائها وتلك البقع المخيفة كما المرة السابقة تنتشر في انحاء جسدها وكأنها تعرضت لضرب مبرح!.. حاولت ان اسحب انفاسي.. حاولت ان اتحدث...حاولت ان افعل اي شيء ولكني ببساطة كنت مقيد الحركة وكأن الشلل اصابني فجأة!!..كنت احدق فيها فحسب دون ان اعرف ماالذي علي فعله بالضبط..فأنا الى الان لم استوعب ما الذي يحصل لها حتى...عقلي مشوش.. قلبي مضطرب....انا ببساطة مرعوب!!.. بقيت احرك وجهها بين يداي بهستريا وانادي اسمها بخوف...فأنا اكاد افقد عقلي من فكرة انها كالجثة الها مدة بين يداي لا تستجيب لي!..

جذب انتباهي فجأة صوت بعيد.. التفت بحركة سريعة نحو هاتفها الملقى ارضاً وقرات اسم "زيد" يضيء شاشتها ولا تزال المكالمة مس تمر ة..اي انها كانت تتحدث اليه قبل دخولي... لم اعرف من هو زيد هذا ولكنه بالتأكيد يعرفها ويعرف ما خطبها وألا لم تكن ستتصل به في هذا الوقت!..
سحبت الهاتف بحركة سريعة فوصلني صوته الخائف كخوفي:

- ميرنا تحدثي الي بحق السماء..ماالذي يحصل؟!...

- من...من انت؟!..                    

سكت ذلك ال "زيد" لثواني مستغرباً ظهوري المفاجئ وصوتي المحمل بالخوف والارتباك ولكنه سرعان ما قال لي:

- انا طبيبها من انت اجبني بسرعة!..                    

تلعثمت حروفي وانا اقول بعدم فهم:

-طبيب من...كيف عساك تكون طبيبها؟.. ما الذي يحصل لها؟!..

- لا بد ان تكون يوسف أليس كذلك؟!..

توسعت حدقتاي بصدمة وقبل ان اسأله كيف يعرفني او ما الذي حصل لها وجدته يقول لي بأستعجال:

- يوسف اسمعني لا وقت لدينا..احضرها فوراً نحو المستشفى الاهلية الخاصة في شرق المدينة وسأوافيك حالاً!..

وقبل ان اقول اي شيء وجدته يغلق الخط..ولم انتظر اكثر..حملتها بين يداي وخرجت راكضاً من الشقة نحو سيارتي لأمددها في المقعد الخلفي واستدير نحو مقعدي لأقود بأقصى سرعتي نحو المستشفى وجبيني يتصبب عرق اً من شدة خوفي وقلقي...كنت انظر اليها بين ثانية واخرى واعيد ابصاري نحو الطريق من دون ان اناديها.. اخاف من فكرة انها لن ترد علي...يقتلني اني لا اشاهد انفاسها ترتفع وتنخفض...وجهها الشاحب.. اطرافها الباردة...جسدها الساكن.... كلها اشياء لا يريد عقلي تقبلها...لذلك لن احدثها... سأتركها نائمة....انها نائمة فحسب... انها مجرد وعكة صحية ستمر...كل شيء بخير.... هذا ما بقيت اقنع نفسي به طوال الطريق!!..

وصلت الى المستشفى بعد 15 دقيقة لخلو الطريق من الازدحامات المرورية...
دخلت البناية واوقفت السيارة عند مدخل الطوارئ... تلك المستشفى التي راجعتها ذات مرة والتقيت بميرنا لتقول لي انها تزور صديقتها المريضة.. وانا الاحمق الذي لم اشك بأي شيء!.. انا الساذج الذي كنت اراقبها طوال سنوات دون ان اعرف بأمر قدومها للمستشفى دائماً...لمجرد اني كنت اراها تبتسم دائماً كنت اقنع نفسي انها بخير وسعيدة.. لمجرد انها لم تكن تشتكي كنت اجدها اكثر راحة مني...و اليوم ادرك اني كنت افقدها ببطئ يوم بعد اخر دون ان اعرف!!..

نزلت من السيارة بأقدامي العارية واسرعت لافتح بابها واحملها بين يداي واركض بها بجنون نحو المدخل ولكن الم مرض ين الذين كانو يتوقعون قدومنا استقب لون ي فوراً ووضعوها على سرير متحرك واخذوها من بين يداي.. ولكن يداي لم تفلتها وبقيت متمسك بيدها بقوة وانا اركض معها!...
اجتمع الطبيب والم مرض ين حولها وانا لا افهم شيء مما يحصل...مسحت وجهها برفق وانا اناديها بصوت مرتجف و دموع ي تتهاطل بقوة خارج عن ارادتي:

- حبيبتي؟!..هل تسمعيني؟!...اتوسل اليك قولي اي شيء!..

ابعدني احد الممرضين عنها وهو يقول:

- ارجوك سيدي عليك ان تتراجع قليلاً لو سمحت!..

رفع الي الطبيب بصره يحدق بي من خلال نظاراته الطبية وهو مشغول بعصر وريدها بالانبوب المطاطي وحقنها بدواء ما لم اعرفه...التقت ابصارنا للحظة فأنتابني يقين انه ذاته من كنت احدثه عبر الهاتف فنظرته لم تكن عابرة!..

- نبضات قلبها تتباطئ اكثر...قد نفقدها!..

"قد نفقدها"...قالها الممرض بنبرة عملية هو معتاد عليها....ولكني لست معتاد...لست متقبل لهذه الكلمة... بل لم استوعبها بعد... شعرت بقدماي ترتخي وانفاسي تتثاقل وانا احدق بوجهها الذي لايزال مغطى ب دماء جديدة...حاولت ان اخرج صرختي..ان ابكي...ان افعل اي شيء...ولكني كنت كالجثة الهامدة... بقيت واقفاً بصمت واجحظ بعيناي بصدمة دون ان افعل اي شيء اخر!..

فجأة يدان التفتا حول معصمي وهزت جسدي بقوة لتوقظني من غيبوبتي المؤقتة فألتفت ابصاري من دون ارادة مني لتلتقي بعينا ذلك الطبيب... كانت شفتاه تتحرك...عروق وجهه بارزة وهو يتحدث الي بأنفعال.. ولكني لم اكن اسمعه...ارتفع بصري من فوق كتفه ليقع على شابة لا اعرفها ربما في الثلاثين من عمرها تقف خلفه تبكي بهستريا... من هؤلاء بحق السماء؟!...وما الذي يحصل حولي؟!...تحركت عيناي من دون هدف في الارجاء لا استطيع ان افهم اي شيء.. حبيبتي ملقاة شبه ميتة على السرير... واحد يعرف ما خطبها واخرى مجهولة تندبها كما لو كانت تخصها... اذناي لا تلتقط اي شيء سوى الجهاز الذي يصدر ضربات قلبها الضعيفة.. شعرت ب الدوار يلف الغرفة بي ولكن فجأة تلقيت صفعات متتالية وسريعة فوق وجهي جعلت حواسي تعمل من جديد وانا استمع لصراخ الطبيب بي:

- انت تكون ابن عمها..أليس كذلك؟!..

ولا ازال عاجزاً عن الرد بشيء...عاجزاً عن التحرك..ولا شيء يطن في عقلي سوى جملة الممرض "قد نفقدها"..

- يوسف استمع لي....ميرنا تعاني من مرض الدم اللات جنس ي..وتحتاج الى متبرع بسائل النخاع كي تشفى من مرضها...قد يتطابق دمك معها ونتمكن من شفائها...هل تستوعب ما اقوله لك؟!..

ترجعت قدماي بضع خطوات نحو الوراء وتهالك جسدي فوق الكرسي احاول سحب انفاسي وافشل...احطت رأسي بقوة بين يداي ثم تمتمت بشرود بينما دموعي تفلت من بين جفناي واخيراً:

- دمائنا..غير متطابقة..انا وهي..لا نتطابق!..

ارتخت يدا الطبيب وابتعد عني خطوة وهو يقول بقلق متمنيناً لو انه سمع بشكل خاطئ:

- أأنت متأكد؟!..لربما كنت..

- اعرف كل شيء عنها...ولكن..

ورفعت رأسي فوراً اليه احدق به بتشتت.. ولكن عقلي لم يكن معه على الاطلاق!..

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

#(الكاتبة)#

لمسة خفيفة فوق خدها... قبلة رقيقة اعلى جبينها..اصابع تتعانق مع اصابعها.. ولكن لاشيء غير الظلام حولها... لا تملك القدرة على عيونها لتفتحهم ولا على جسده لتحركه....وعادت مرة اخرى لتغط بعالم اللاوعي دون ان تشعر بشيء اخر!.. غطت لساعات طويل ة ولكن شعرت وكأنها لحظة قد مرت عليها... وليس 14 ساعة ك امل ة قد مرت وهي غائبة عن الوعي!..

فتحت عيناها بتثاقل ولم تتمكن من استبيان ما حولها بوضوح...فمها جاف ورأسها يؤلمها بقوة وبعض التشنج في ظهرها ومعدتها لا تزال تعاني من ذات الغثيان..انها بحالة مزرية!..

- مرحباً حبيبتي!..

ادارت بصرها ببطئ لجانبها ليقع على يوسف الذي كان اسوأ من حالها بكثير وهو يعانق كفها بين كلتا يديه.. وجهه شاحب وعيناه حمراوتان اثر السهر وجفناه مت ورم ان من البكاء وقميصه ملطخ ببعض اثار الدماء...فأحياناً رد فعل من حولنا لسقوطنا يكشف لنا مشاعر هم اكثر من كلماتهم المزيفة ومواقفهم المصطنعة!..

بللت شفتاها بلسانها قليلاً ثم قالت بصعوبة وبصوت ضعيف وهي بالكاد تتمكن من فتح جفنيها:

- ما الذي..حصل؟!..

قبّل جبينها بقوة وابقى شفتاه هناك وهو يقول بينما تستشعر دموعه تبلل لها وجهها:

- ما حصل انك قتلتني يا ميرنا..ما حصل اني كدت اموت من خوفي عليكِ ايتها الحمقاء!..

ثم ابتعد قليلاً ونظر الى عينيها وقال بينما ابهامه يتحرك بشكل دائري على وجنتها:

- ولكن الان كل شيء سيكون بخير.. لقد مر الامر كالكابوس المزعج!..

وقبل ان ترد بشيء فتح زيد الباب ودخل الى الغرفة... تبسم فور رؤيته لها وقال:

- واخيراً استيقظت معذبة القلوب!..

تبسمت ميرنا بصعوبة وقبل ان تقول شيء دلفت هيلين الى الغرفة بعد ان امضت الليل كله بجوارها.. فما ان اتصلت ميرنا بزيد واتى للمستشفى هي قد حضرت معه... اتجهت من فورها نحو سرير ميرنا وضمتها بقوة وهي تجهش ببكاء قوي وتقول:

- لقد كدت ان اصاب بأزمة قلبية بسببك ايتها البلهاء!..

قال زيد ضاحكاً:

- هيلين عزيزتي ستخنقيها ونحن بالكاد انقذناها!..

تبسمت ميرنا ورفعت يدها لتحوط هيلين وهي تقول:

- بل عناقها ال حياة بحد ذاتها!..

فقال ممازحاً:

- ابقي اذاً مع "حياتك" لن اقيم لكِ صحتك!..

ثم نظر يوسف وقال:

- هلا تحدثنا بالخارج قليلاً سيد يوسف؟!..

وفور ان قال زيد هذه الجملة ادارت ميرنا عينيها بأتجاه يوسف واخفضت بصرها فوراً مدعية عدم الاهتمام حين شاهدته يمنحها النظرة ذاتها... نظرة " لا اريد تركك"...ولكن صحتها الان اهم من حبه الاناني لها فسحب يده من يدها ونهض مع زيد لخارج الغرفة..
ما ان ر حلا حتى جلست هيلين على الكرسي المجاور لسريرها وقالت بابتسامة بينما تتمسك بيدها بقوة:

- قولي لي...أهذا هو خطيبك؟!..

تبسمت ميرنا وهي تقول:

- اجل!..

غمزت لها هيلين وهي تقول:

- انه مجنون بكِ يا فتاة !..

توردت وجنتا ميرنا بحمرة خجل داكنة واكتفت بالابتسامة البسيطة بينما اكملت هيلين:

- لقد قلب المستشفى البارحة رئساً على عقب بصرخه بالممرضين بكل دقيقة لحين خروجك من غرفة ال عمليات !..

قطبت ميرنا حاجبيها فوراً وهي تقول:

- غرفة العمليات؟!..

فأومأت هيلين ب"نعم" وهي تقول بأبتسامة عريضة:

- لقد وجدنا المتبرع واخيراً!..

فتحت عيناها بصدمة وهي تقول:

- يوسف؟!..

- لا..ولكنه من وجده لنا!..

قطبت ميرنا حاجبيها بأستغراب وقبل ان تسألها عن هوية المتبرع فتح يوسف الباب ودخل للغرفة قاطعاً عليهما الحديث..تبسمت هيلين ونهضت من مكانها مخاطبة ميرنا:

- استأذن انا الان..سأعود للأطمئنان عليكِ لاحقاً عزيزتي!..

بادلتها ميرنا الابتسام وهي تقول:

- حسناً!..

اومأت هيلين مودعة يوسف فبادلها الايماء بصمت ثم تركت الغرفة وخرجت.. تقدم نحو السرير وجلس على ذات الكرسي التي كانت تجلس عليه هيلين وقبض على يد ميرنا برفق وهو يقول بينما يده الاخرى تتحرك بلطف على خصلات شعره :

- كيف تشعرين الان؟!..

- ببعض ال دوار فحسب!..

- لابأس بذلك فهذا تأثير المخدر!..

- يوسف؟!..

تبسم لنطقها لأسمه بكل هذا الق بول دون غضب او سخرية فقال فوراً:

- يا عشق يوسف!..

تجاهلت عبارته رغم ما احدثته في قلبها من زلازل وقالت:

- من كان المتبرع؟!..

اختفت ابتسامته تدريجياً ثم قال:

- دعينا نتكلم بالامر لاحقاً حبيبتي!..

فلم تجادله اكثر وادارت وجهها الناحية الاخرى جهة النافذة تحدق بالسماء بصمت...ثواني حتى قال بهدوء:

- ميرنا؟!..

التفتت اليه ليقول فوراً:

- لما لم تخبريني بالامر؟!..

بقيت تحدق به لثواني بجمود ثم قالت:

- أكنت ستكمل انتقامك وخطتك لو اخبرتك؟!..

فاجئه تصريحها فلم يستطع الرد مباشرةٍ لتكمل هي بذات نبرتها المقتضبة:

- لا..كنت ستشفق على حال "المريضة".. واكثر ما اكرهه في حياتي هو الشفقة... فلم تكن ستعاملني حسب طبيعتك ولم تكن ستصارحني بما يغضبك او يزعجك وكلما اردت تركي ستت ذكر اني مريضة... لذلك اردتك ان تبقى بجانبي لأنك تحبني وليس لأنك تشفق علي!..

ثم قالت بشيء من الحدة:

- ولكنك كنت ستبقى على كل حال لحين اكمال ما تخطط له!..

واشاحت وجهها مرة اخرى جانباً فسمعته يطلق تنهيدة وهو يقول بحسرة:

- لن تسامحيني بسهولة..أليس كذلك؟!..

التفتت اليه مجدداً وهي تقول:

- الامر ليس ذنب وغفران يا يوسف... الامر يؤلم اكثر من ذلك!..

اكتفى بالصمت دون ان يجد ما يقوله.. فهي محقة ولا يمكن لومها على سخطها!..
حل المساء عليهما وكلاهما يتواصل مع الاخر بصمت من دون نطق كلمة..وكأن العتب يكون ابلغ حين نوصله بنظراتنا الصادقة اكثر من كلماتنا الغير مترابطة!..
احضرت الممرضة من اجلها طعام العشاء والذي لم يكن اكثر من حساء الخضار وبعض قطع الفاكهة و عصير البرتقال.. وضعته على الطاولة المخصصة له وخرجت فنهض يوسف من مكانه وتقدم نحو ميرنا وقال:

- دعيني اساعدكِ في الجلوس!..

فقالت بجمود:

- نادي الممرضة لتفعل ذلك!..

ومن دون توقعها وجدته يلف يديه حول خصرها ويرفعها قليلاً لتجلس وهو يهمس لها بأبتسامة:

- لن يلمسك احد بوجودي يا حمقاء!..

تشبثت بكتفيه كرد فعل لا ارادي لزعزعة جسدها ولكنها ابقت يديها حيث هما وجسدها يعاني الشلل المفاجئ من كلماته!...ثواني واحست بغباء تمسكها به حين اراد سحب جسده ويديها تتشبثان بقميصه...نظر نحو عيناها بأبتسامة فأفلته فوراً واشاحت وجهها جانباً وهي تتنحنح بأرتباك فتبسم اكثر وقبلها من جبينها برفق وهو يقول:

- بالمناسبة...اكون خطيبك..اي لا بأس!..

تجاهلت الرد عليه..او بالاصح اخرستها قبلته اللطيفة فوق جبينها عن الرد!..

- تحبين ان اساعدك في الطعام؟!..

وهنا اجابت فوراً بحزم:

- لا..سأكل وحدي!..

- حسناً "انسة عصبية"!..

واخذ الجريدة التي كان يطالعها وجلس على الكرسي يكمل حل الكلمات المتقاطعة..نظرت له بطرف عينها ثم قالت بعد تردد ومصارعات داخلية:

- اذهب لتأكل شيئاً!..

اجاب بينما يطالع الجريدة بأهتمام:

- لا اشعر بشهية الان!..

- هل ستبقى من دون طعام؟!..

نظر اليها بذات الابتسامة التي منحها له وهو يقبض عليها متلبسة تراقبه سراً في متجرها...نظرة "انا اعرف انك مهتمة"!.. فاشاحت وجهها عنه فوراً وهي تقول:

- ما شأني بك على اية حال!..

وعادت لتكمل طعامها وعاد هو ليحل الكلمات...اكملت طعامها وابعد الطاولة من امامها وقبل ان يعود ليجلس طُرق باب غرفتهما..

- تفضل؟!..

ففتح الباب لتتوسع حدقتا يوسف وهو يشاهد بداية الكرسي المتحرك يدخل من الباب...هو لم يخبرها بعد... لم يذكرها.. لم يشرح لها شيء..وقد لا تتقبل الامر الان...توسعت حدقتا ميرنا اكثر من يوسف وهي تشاهد دخول نرمين تدفعها الممرضة بالكرسي المتحرك... لا يحتاج الامر الى سؤال فمن الواضح ان نرمين هي المتبرع الذي رفض يوسف التصريح عن هويته في الوقت الحالي!..
التفت يوسف فوراً ليغوص في ملامح ميرنا الباهتة متوجساً ردة فعلها...شيئاً فشيئاً بدأت ملامحها تتغير من الدهشة الى الاقتضاب والحدة وهي تحدق بنرمين ثم رفعت بصرها نحو يوسف بنظرة يدركها جيداً..لقد تذكرتها!..
رفعت نرمين رأسها بأتجاه الممرضة وقالت:

- هلا تركتنا بمفردنا لو سمحتِ لبعض الوقت؟!..

- حسناً سيدتي!..

تركتهم الممرضة وخرجت فنظرت نرمين نحو ميرنا وقالت بهدوء:

- اعلم اني اخر شخص تودين خوض حديث معه الان!..

فأجابتها الاخرى بحدة:

- جيد انك تدركين ذلك!..

اخذت نرمين نفساً هادئاً قبل ان تكمل من غير اي انفعال:

- صدقيني هذه هي المرة الاخيرة التي سأجعلك تريني فيها..وحتى يوسف مخير في زيارتي او لا...ربما ابتعادي هو الافضل لكليكما نظراً الى اني من ضمن الاشخاص الذين تسببو بالتعاسة التي تعيشانها الان...ولكن..اعتقد انه يحق لي كلمة اخيرة!..

نظر يوسف نحو ميرنا مرة اخرى وكأن القرار يعود لها في القبول او الرفض.. فلم تبدي اي رد فعل فكان هذا الضوء ال اخضر لنرمين لتبدأ بسرد سجل اعترافاتها وذنوبها....اخذت نفساً عميقاً ثم قالت بهدوئها ذاته:

- تبرعي لكِ لم يكن تكفيراً لخطيئتي يا ميرنا..بل لأننا عائلة...نعم الحياة والمصالح انستنا اننا كنا في يوم كذلك.. ولكن بعض الصفعات تعيدنا لرشدنا!..

اكتست نبرتها ببعض الاسى وهي تكمل:

- حين تجدين نفسك بين ليلة وضحاها في الشارع..من دون منزل.. من دون ورقة نقدية واحدة..من دون اي ضمان.. وفوق هذا كله تجدين نفسك مع طفل انتِ مسؤولة عنه...هل بأمكانك ان تكوني منصفة وانسانية؟!..هل بأمكانك ان تكوني مثالية في مجتمع مليء بالنواقص؟!....نعم انا اعترف انه كان ذنبي من البداية اني بدأت ابحث عن ثغرة قانونية لأستعيد املاك عاصم.. ولكني لم اكن اعرف ما فعله ادهم من اجله.. لذلك سلوى لم تعاقبني فحسب.. بل دمرتني!!...

اكتفت ميرنا بالاستماع بمشاعر مضطربة ومتناقضة لتكمل نرمين وبعض الالم يختلج نبرتها:

- انا اسفة ياميرنا رغم اني ادرك جيداً ان اسفي لن ينفعك بشيء الان ولكني بالفعل اسفة.... مثلما تعاملت سلوى معي من دون انصاف لتحمي حقكِ تعاملت انا معكم من دون انصاف لأحمي حق ابني... ومهما تخيلتي فلن تتمكني ابداً من تخيل المعاناة التي عشتها انا ويوسف... لقد قلتها مسبقاً وسأقولها ايضاً.. بداخل هذه المعركة لا يوجد طرف على حق واخر على باطل..فلكل محق ذنب ولكل باطل مبرر...فلا تحكمي على الناس اعتماداً على نقائكِ معهم.. فنقائك هذا لم يتلوث بخبث الحياة بعد..

ثم اشارت لها وهي تقول:

- وانظري ماذا حصل حين تعرضتي للخذلان من اشخاص مقربين منكِ.. تعلمتي الجفاء وان تكوني قاسية وان لا تغفري ابداً الذنب من دون عقاب...مثلنا تماماً!.. كما تفعلين الان مع يوسف... كلنا ارتكبنا نفس الاخطاء عزيزتي ولكن بطرق مختلفة...فكوني منصفة...فنحن لم نكن!..

تنهدت بحسرة واردفت:

- قسوة الحياة تنسينا اننا بشر يا ميرنا.. تنسينا اننا عائلة....نصبح مفترس وفريسة مع اول طعنة نتعرض لها... انها حقيقة لن تتقبل النقاش...اغلب البشر تتساقط اقنعتهم مع اول نزال...اقنعة لم يدركوا هم انفسهم انهم كانوا يرتدوها... لذلك تقبلي الواقع يا ميرنا..فالواقع لن يتقبل افكاركِ المختلفة!..

كل ما كانت تفعله ميرنا انها تكتفي بالتحديق بها وصراع عنيف يحتدم بداخلها... ما تقوله نرمين هو الحقيقة.. هو الواقع... وليس عالم احلامها الوردية حيث الامير المخلص والاسرة السعيدة... فمن حولها "بشر"..وسيبقون كذلك!..
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

المصدر: ponyponyyy

إكتشف محتوى اكثر

تعليقات

  • محمود ابوالقاسم

    اين الجزء٢٥من روايه اشباه عاشقين

  • زوجي نبض قلبي

    واش هدي هي النهاية

  • عاءلتى حياتي

    اشباه عاشقين النهايه

  • As Bou

    korben

  • Hadil Chang

    اريد رواية عذابي الصامت

‎استخدم تطبيق Hayaa لعرض تعليقات 7 المتبقية
إكتشف محتوى اكثر
افتحي Hayaa للمشاركة في المزيد من المواضيع النسائية
فتح

تحميل تطبيق Hayaa

لإدارة صحة فترة الدورة الشهرية ، شاركي في المواضيع الخاصة بالمرأة

Google play
App store

تم النسخ