ثقافة الانتحار تهيمن

ثقافة الانتحار تهيمن

ال انتحار وبتعريف بسيط هو عن دم ا يتعمّد شخص ما إنهاء حياته بطريقة ما لتكون النتيجة الموت ولا شيء سوى الموت. وطبعاً هناك تراكم لعو امل عدة من نفسية واجتماعية وثقافية تؤدّي بالشخص المعني في نقطة معينة إلى تفعيل الرغبة الجامحة في إنهاء كل شيء.

ثقافة الانتحار المجتمعي هو الذي أسمّيه جموحاً جماعياً نحو تدمير كل مقومات ال حياة المعتدلة والمعقولة، وطبعاً لا يعني هذا بالضرورة الوصول للموت كنقطة، ولكن التكيّف مع الصراعات التي تسبق الموت والتمتع بمسايرة هذه الثقافة حوّلانا إلى مجتمع سادي ضعيف ينكسر عند كل استحقاق للخروج من الأزمات المتتالية التي أصابتنا.

وغنيٌّ عن التعريف كمُّ الأزمات وأنواعها التي عانا منها الوعي اللبناني عبر سنين من الحروب والانقسامات، وخصوصاً في العقدين الأخيرين، حيث صُدمنا من الاغتيالات الدم وية الا رهاب ية التي طالت قامات وطنية شريفة وصولاً إلى حرب تموز المدمرة التي كانت بتقديري الشخصي مفصلاً تاريخياً مدوياً ب ذكر يات الشعب اللبناني، إذ تولّدت جراء هذه الحرب سلوكيات مرض ية جديدة في المجتمع اللبناني لم تكن لت نمو في السابق.

إذاً، في ظل هذه الأزمات السياسية الطاحنة نشأ في فترة معينة فراغ في الحكم كما في مؤسسات الدولة التي أساساً تعاني منذ سنوات من رداءة قطاعات كثيرة أهمها قطاع الكهرباء وتراكم النفايات وأزمة السير المزمنة، إضافة إلى التلوث البيئي الخطِر، إلى ما هنالك من غياب للعدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة بين فئات المجتمع، ما أدى في ظل أعداد هائلة من اللاجئين الأخوة السوريين إلى ارتفاع البطالة بين أفراد الشعب إلى أرق ام قياسية تتخطى حاجز الـ40 في المئة، ما أدى إلى بروز طبق ة جديدة مزدهرة ألا وهي الطبقة ذو الفقر المدقع.

كل هذه الأزمات تضاف إلى لعنة الطائفية السياسية الفاشلة المقززة في عالم اليوم ، انتجت منظومة مترابطة من الضغوط تتناوب على هرس وتلف كل ما هو جميل في الوعي المجتمعي اللبناني. هذا المجتمع أصبح يعاني بكل فئات شعبه من عوارض الإحباط واليأس وال إرهاق والغبن والإحساس العميق بالظلم، حتى السياسيون القابضون على السلطة منذ عقود أصيبوا بان فصام عظيم، ومثالٌ على ذلك تراهم، يتظاهرون مع الشعب ضد أنفسهم في مشهد لا تراه إلا في لبنان، والشعب يصدّقهم أيضاً وأيضاً في مشهد لا تراه إلا في لبنان. كل هذه الضغوط والعوارض والتلوث أدت إلى انتشار ال أمراض الخطرة وبنسب قياسية في قرى ومدن لبنان، ونتج عنها رعب أدى إلى استهلاك أغلب الشعب للمسكنات، بحسب ما أدلى به وزير ال صحة اللبناني في إحدى اللقاءات.

ومن العوارض المَرضية الواضحة على الساحة السياسية الداخلية يبرز ذاك الانقسام في كل الاتجاهات، فلا تعرف له خطوطاً، ويتجلى في تبادل التهم ليلاً ونهاراً بين الاطراف كافة دون أي رادع قانوني أو أخلاقي، ففي الوقت الذي يدّعي فيه أنصار رئيس الحكومة بأن الرئيس مستهدف، يخرج علينا رئيس الجمهورية شخصياً ليقول هو الآخر إنه في قلب المعركة وإنه المستهدف الأول، ويعلن أنه في جهوزية كاملة، ويطلب من الشعب البقاء على الحياد أو التهيؤ للتظاهرات. وعبر هذه الهلوسات يبرز خوف الشارع على سعر صرف الليرة وما يترتب على ذلك من نتائج كارثية على الطبقة الفقيرة.

إذاً، الأطراف تدور في حلقة مفرغة من الصراع في سبيل تحقيق مآرب شخصية وحزبية ضيقة، ويوهمون المجتمع الدولي بأنهم حريصون على استقرار البلد، والمارد يكبر بخطى ثابتة، إنه الدين العام يا سادة. نعم، هو يقترب من المئة مليار دولار. رقم خيالي لبلد صغير غير منتج كلبنان. هذا المارد يستطيع التهام الجميع. إلا أن رئيس الجمهورية له رأي آخر، فهو مطمئن ويعتقد بأن الوضع ممسوك. طبعاً، أنا أخشى يا فخامة الرئيس أن تكون نقطة البداية نحو النهاية قد حانت. أتدري فخامتك أن لكل منظومة نهاية في يوم ما. فخامة الرئيس، هل تعلم ما هي نظرة الشعوب الأخرى إلينا كدولة؟ هل تعلم أن جواز السفر اللبناني يقبع في مركز جد متأخر في لائحة الدول رغم أن وزير خارجيتك سافر إلى أكثر من ٥٥ دولة في مئات الجولات؟ نعم يا سادة، مئات التنقلات في فترة زمنية قياسية، والنتيجة... نحن في المؤخرة . نعم، بلد جبران ونعيمة وفيروز ومعلوف وتويني وصعب ورفيق والصلح وشمعون وبشير، بلد الصافي والرومي وأبو ماضي والريحاني، بلد حسن الصباح أصبح في صدارة الدول الفاسدة... وإذا كنت تملك معلومات مطمئنة، هل تستطيع فخامة الرئيس بأن تخرج وتقول للبنانيين ما هي توقعاتكم كدولة، كم هو مردود النفط التقريبي وبال أرق ام في سنة ٢٠٢١؟ أنا شخصياً لا أتوقع الكثير في وقت سيكون فيه الدين تجاوز المئة مليار دولار

إن الوضع ممسكوك بالنسبة إليكم لأنكم كطبقة سياسية تتلذذون بصراعاتكم، فتتغلب هذه السادية على كل منطق الحلول، ولكن أود أن أسدي إليكم نصيحة سيدي، لبناننا، لبنان البطريرك الحويك لم يعد موجوداً في وجدان غالبية اللبنانيين، وإذا تابعتم طريقكم هذا المشبع بثقافة الانتحار، فلبنان سيهلك حتى جغرافياً، نعم، سوف يموت إن بقيتم مكانكم تلعبون بوعينا لعبة الطاغوت، ونحن الشعب الذي يقدّس كل أنواع السكوت سننتفض يوما ما. لقد سقطت أوراقكم وسقطت أوراق التوت. لن نرضى بالتصفيق، وحاذروا، فإن انفجاراً ضد الفساد أصبح موقوتاً.

مهى نصرالله مهندسة تحمي ذاكرة بيروت بالريشة والألوان

الخوف من فقدان ما يسرّ العين في المدينة ويعيش في الذاكرة، دفع مهى نصرالله الى حمل عدّة ال رسم والتنقل من مبنى أثري الى آخر لتوثيق التاريخ العمراني "سكتشاً" يبقي الأثر. هاجس الفقد متأتٍّ من سياسات تدمّر مبنى بعد آخر من دون ورع. وفي أحيان كثيرة، يكون اهمال الترميم من معني، أو إهمال المارة والمحيط الأهلي لقيمة ما يجاورون، دليلاً الى خطر يوجب الاحتفاظ بصورة القرميد أو الحجر الأثري أو القناطر وغيرها بطريقة مختلفة. الرسم والألوان عنوان المواجهة.



مسار المهندسة مهى نصرالله التي تخرجت في الجامعة الأميركية في بيروت عام 1983، بدأ حين عادت الى بيروت عام 1991. صحيحٌ أن مونتريال جميلة و"فيها شيء لا أقوى على تحديده يشبه بيروت، لكن الفرح الدفين الذي أشعر به حين أسير في شوارع رأس بيروت والجميزة وغيرها لا تزرعه أمكنة أخرى في داخلي. رسم "السكتش" واحدة من مهمات أخرى تقوم بها المهندسة الفنانة التي تتسلم مشاريع عمرانية خاصة، وتعمل أيضاً في محترف لصنع الفخار في أشكال هندسية تحاكي أفكاراً واقعية وسوريالية. في أعمالها، يمكن رصد مجموعة "القبابيب" السورية الدالّة على ما تبقى من أثر بعد مجزرة قضت على مواطنين نادوا بالحرية. الفن يؤرخ هنا الحروب الملعونة.

خيانة الذاكرة حرب أخرى رهيبة. تحدثُنا نصرالله خلال سيرنا في شارع الجميزة المكتظ بزحمة السيارات والمارة في يوم نيساني تصارع فيها خيوط الشمس تلبّدات الغيوم. نقصد الطريق المنحنية المواجهة لمطعم مركز الصليب الأحمر، لنعثر على بيت قرميدي عتيق مهجور مجاور لمساحة تحوّلت مرأباً. ترفع المهندسة شعره ا الأبيض وتجلس على احدى درجات منزل مقابل للمبنى الأثري. تحكي وهي ترسم الخطوط وتفرش الألوان على الورق، عن بيروت نابضة يجب الحفاظ عليها مهما استشرس الواقع وحشية. التمسك بخيط الحقيقة واجب مهما كان الممسكون به قلة. في رأيها، أن ال جمال حقيقة والماضي وثيقة والحفاظ عليها عمل أخلاقي.

التربية دليل الانتماء النقي الى مدينة أو بلد. هو فعل تمارسه اليوم مع أولادها. والتربية ليست تلقيناً في فقه مهى نصرالله التي تستشهد بمسار الجوّ العائلي الذي نشأت عليه أسرتها المسيحية في ما سميَ ذات يوم "بيروت الغربية". جوّ صنوه الولاء لأمكنة مشتركة ولإرث حضاري غنيّ تشهد له هندسة عمرانية ثقافية راسخة.

لا تغادر ابتسامة الرضى وجه مهى، وتنفرج ضحكة بعد انهاء الرسمة، وقد أنجزت مهمة تحارب من خلالها النسيان. الرسمة الجميلة مهداة إلى الذاكرة، وإلى بيروت مدينتنا، وناسها، وأشجارها، وصخبها، وجنونها، وبردها وجحيمها. الى "سكتش" آخر.

diana.skaini@annahar.com.lb

إكتشف محتوى اكثر

تعليقات

إكتشف محتوى اكثر
افتحي Hayaa للمشاركة في المزيد من المواضيع النسائية
فتح

تحميل تطبيق Hayaa

لإدارة صحة فترة الدورة الشهرية ، شاركي في المواضيع الخاصة بالمرأة

Google play
App store

تم النسخ