"قد نخطئ ولكننا نتعلّم من أخطائنا"

نعم، هذه هي مقولتي اليوم .

أنا، أنت، نحن... قد نخطئ في مسارات حياتنا، فنحن لسنا معصومين عن الخطأ، ولكن لم يحجُب الستار أعيننا كي نرى وندرك أنه ينبغي ألّا نقع في الحفرة مرة أخرى.

أحياناً نترك الأمور تمشي كما هي، أحياناً نتبع أهواءنا، أحياناً تستميلنا مشاعر نا، أحياناً نعلم أنّ ما ندخل فيه ليس إلا نفقاً بلا نور، ولكننا نصرُّ على دخوله ولو ارتجفت قلوبنا رعباً، وقاسينا ظلامه دم عاً.

نعم، هكذا حال أكثرنا

البعض منّا يرميها لل حياة ، والبعض الآخر للصدف، وآخرون لا يتداركون ما سيؤو لون إليه.

ولكن طوبى لمن علم خطأه فأقدم على إصلاحه.

في المبدأ نحنا لسنا أغبياء، ولا بسطاء ولا ضعفاء العقول، بل نحن طيبون لدرجة أننا نجعل الغير يؤذينا ويطعننا دون أن نلومه أو نلقي عليه أي عتاب أو صرخة غضب، فيستغل هذا الطرف طيبتنا، رقتنا، صفاءنا الداخلي وطهارة قلوبنا، ويأتي بسيوفه كي يُقاتل بها آمالنا المشرقة.

فنعيش في دوامة اليأس والتشاؤم، وتسودّ الدنيا في وجوهنا، وتصبح السعادة بالنسبة لنا كتاباً من الماضي غطّاه الغبار.

في هذه الأثناء، البعض منا قد يعيد الخطأ الذي ارتكبه بالمرة الأولى حين وثق بمن ليس أهلاً للثقة، فيسترسل بارتكاب الجرائم بحق نفسه، وكأنّه ينتقم من نفسه لا ممن افتعل به الأذية. وتبدأ عنده مراحل الإنحراف، التعاطي، وإلحاق الضرر بالآخر... وغيرها من ردود الفعل العائدة في جذورها لجروح سابقة.

إلى أن يستيقظ متأخراً، فيرى كم سبّب أوجاعاً لغيره، كان مصدرها أمراض اً يعاني منها ولا يعلم، فيعكس عِقده وآلامه على من حوله.

وهكذا ستمضي الحكاية وكأنها حلقة مقفلة ينتظر الكل دوره فيها حتماً.

هذا سيكون وجهاً من الردود. غير أننا إذا نظرنا إلى الوجه الآخر منها، فسنرى ما هو معاكس تماما لها، إذ سنصادف من سيواجه ويتحدى، من ينهض بعد الألم ويقاوم بلا توقف، فيتخذ من ضعفه قوة كي يقول "لا"، ويحلق في محطات النجاح والإرتقاء نحو الأعلى. لا يردّ الإساءة بالإساءة، لا يتّهم غيره باضطرابات يعانيها وهم ليس لهم علاقة بها. بل يكون أكثر إدراكا لخطواته المقبلة.

وفي هذا الموضع، سيحتاج الأمر لنسبة ذكاء عالية، للحكمة، وللوعي الذي سيستبق أي مبادرة جديدة.

ولكن ستبقى مشكلة واحدة عند هاتين الفئتين من الناس، مشكلة تتمثل بأزمة "فقدان الثقة".

فالفئة الأولى لن تثق بمن ستصادفه، والثانية ستعتمد هذه الوضع ية "استراتيجيةً" كي لا تُعلّق نفسها بأي شيء يرجعها للخلف بعد نهوضها صا مدة .

مشاعر عدم الإطمئنان، الشك والقلق ستواكبهما تدريجياً لأنّ ضربتهما الأولى كانت موجعة ولم تُنسَ!

من هنا سنصل معاً إلى خلاصة مقنعة، مفادها أننا نخطئ ولكن ن أمل أن نتعلم باتزان من أخطائنا، بدون أن نترك أي تداعيات سلبية أو انقلابات فجائية على حالنا أو على من يحيطنا. بل العبرة في أن نتقن كيفية حماية نفوسنا لأنّها "عزيزة" وتحتاج لرعايتنا بدلاً من تعذيبها بصراعات ليست لها قيمة تُ ذكر .

مهى نصرالله مهندسة تحمي ذاكرة بيروت بالريشة والألوان

الخوف من فقدان ما يسرّ العين في المدينة ويعيش في الذاكرة، دفع مهى نصرالله الى حمل عدّة ال رسم والتنقل من مبنى أثري الى آخر لتوثيق التاريخ العمراني "سكتشاً" يبقي الأثر. هاجس الفقد متأتٍّ من سياسات تدمّر مبنى بعد آخر من دون ورع. وفي أحيان كثيرة، يكون اهمال الترميم من معني، أو إهمال المارة والمحيط الأهلي لقيمة ما يجاورون، دليلاً الى خطر يوجب الاحتفاظ بصورة القرميد أو الحجر الأثري أو القناطر وغيرها بطريقة مختلفة. الرسم والألوان عنوان المواجهة.



مسار المهندسة مهى نصرالله التي تخرجت في الجامعة الأميركية في بيروت عام 1983، بدأ حين عادت الى بيروت عام 1991. صحيحٌ أن مونتريال جميلة و"فيها شيء لا أقوى على تحديده يشبه بيروت، لكن الفرح الدفين الذي أشعر به حين أسير في شوارع رأس بيروت والجميزة وغيرها لا تزرعه أمكنة أخرى في داخلي. رسم "السكتش" واحدة من مهمات أخرى تقوم بها المهندسة الفنانة التي تتسلم مشاريع عمرانية خاصة، وتعمل أيضاً في محترف لصنع الفخار في أشكال هندسية تحاكي أفكاراً واقعية وسوريالية. في أعمالها، يمكن رصد مجموعة "القبابيب" السورية الدالّة على ما تبقى من أثر بعد مجزرة قضت على مواطنين نادوا بالحرية. الفن يؤرخ هنا الحروب الملعونة.

خيانة الذاكرة حرب أخرى رهيبة. تحدثُنا نصرالله خلال سيرنا في شارع الجميزة المكتظ بزحمة السيارات والمارة في يوم نيساني تصارع فيها خيوط الشمس تلبّدات الغيوم. نقصد الطريق المنحنية المواجهة لمطعم مركز الصليب الأحمر، لنعثر على بيت قرميدي عتيق مهجور مجاور لمساحة تحوّلت مرأباً. ترفع المهندسة شعره ا الأبيض وتجلس على احدى درجات منزل مقابل للمبنى الأثري. تحكي وهي ترسم الخطوط وتفرش الألوان على الورق، عن بيروت نابضة يجب الحفاظ عليها مهما استشرس الواقع وحشية. التمسك بخيط الحقيقة واجب مهما كان الممسكون به قلة. في رأيها، أن ال جمال حقيقة والماضي وثيقة والحفاظ عليها عمل أخلاقي.

التربية دليل الانتماء النقي الى مدينة أو بلد. هو فعل تمارسه اليوم مع أولادها. والتربية ليست تلقيناً في فقه مهى نصرالله التي تستشهد بمسار الجوّ العائلي الذي نشأت عليه أسرتها المسيحية في ما سميَ ذات يوم "بيروت الغربية". جوّ صنوه الولاء لأمكنة مشتركة ولإرث حضاري غنيّ تشهد له هندسة عمرانية ثقافية راسخة.

لا تغادر ابتسامة الرضى وجه مهى، وتنفرج ضحكة بعد انهاء الرسمة، وقد أنجزت مهمة تحارب من خلالها النسيان. الرسمة الجميلة مهداة إلى الذاكرة، وإلى بيروت مدينتنا، وناسها، وأشجارها، وصخبها، وجنونها، وبردها وجحيمها. الى "سكتش" آخر.

diana.skaini@annahar.com.lb

إكتشف محتوى اكثر

تعليقات

إكتشف محتوى اكثر
افتحي Hayaa للمشاركة في المزيد من المواضيع النسائية
فتح

تحميل تطبيق Hayaa

لإدارة صحة فترة الدورة الشهرية ، شاركي في المواضيع الخاصة بالمرأة

Google play
App store

تم النسخ