هكذا تبدأ الحكايات

هكذا تبدأ الحكايات

أراقب من بُعد كافٍ لأرى الصورة ك امل ة، تقترب شيئًا فشيئًا، تداعب أوتاراً لأفكار توقفت عن العزف لزمن. أراها تحوم حوله كنحلة برية في حالة توق دائم للرحيق، بينما يقف متظاهرًا بالسكون، وبداخله نار تتأجج، يسكب عليها كثير من الكلمات والحقائق القاسية الباردة كشذرات الجليد، لكنها لا تفلح في إخماد جمر لا ينطفأ مهما بدا عليه من هدوء وخمول. وكيف يهدأ وصوت ضحكاتها يعلو ما بين الفينة والأخرى، وتضع كل الدلال في حروف اسمه وهي تناديه، كأنما تشعر بلح ظات سكونه، محاولًا كبح نفسه، فتباغته بضراوة، وتغتاله بلا رحمة.

امرأة نافرة الأنوثة، يمكنك القول متوحشة رغم ما يبدو عليها من ثبات، ت ذكر ك ببطلات روايات نجيب محفوظ الم تمر دات الثائرات على وأد جمال هن خلف البرقع والمشربية، ترى فيها حميدة زقاق المدق، ونور اللص والكلاب، بشعر أسود فاحم ينسدل بنعومة، وشفاه ممتلئة انتهت لتوها من التهام حبات فراولة طازجة، لا أتخيل اسماً مناسباً لها كـ "شمس"، فهي تشبهها، دافئة، متوهجة. ماذا للمسكين أن يفعل أمام هذا الغزو؟ بالتأكيد بحكم عمله قابل الكثيرات بنفس الوصف أو أقرب، ولا أعلم ماذا فعل، لكنني أراه الآن يذوب تحت أشعة "شمس" الح ارق ة.

مصطفى سائق لديه سيارته الخاصة، ينقل بها ر حلا ت تتطلب ساعات سفر بعيد، وإقامة مع من يقلهم لبضعة أيام، قررت شمس أن ين دم ج معهم أكثر، أرادت أن تُذيب الفو ارق بين ال طبق ات، فصارت توليه اهتمامًا خاصًا طوال هذه الرحلة. تناديه كلما جلس بعيدًا، أو تذهب لتشاركه جلسته، تتعمد أن يكون بجانبهم إلى مائدة الطعام، تسأل عنه إن غاب لدقائق، سمعتها ذات مرة تقول لرفيقة لها في الرحلة "حاسة إنه غلبان، ومش عايزاه يحس بفرق بينا".

أتدري يا مصطفى أنها تنظر إليك بشفقة، ليس بأية عاطفة أخرى!! لكن أتدري هي أنها تشعل ناره بهذه الرحمة المزعومة، ألم يُخبرها الحس الأنثوي أنها تعدت خط الشفقة، وتقف الآن على عتبة الإغواء!! كل ذلك الدلال في صوتها وهي تناديه، فترق ملامحه الخشنة، وترتبك حروفه وهو يجيب بصوتٍ خافت وكلمات لا تكاد تتبين معناها، إنها تتعامل معه في الحقيقة بلا أدنى شفقة.

حاولت أن أنبهه كثيرًا، لكن الوقت قد فات، ولم يكن الأمر عادلًا، فكيف لي وله الصمود أمام هذا الإصرار على الشفقة، وما أفقدني ال أمل أخيرًا، يوم خرجت علينا ب فستان ٍ من الحرير الأخضر الشفاف، تتهادى بين الرمال كجنية فرت لتوها من مصباح سحريّ.

أظنني أتحدث إلى نفسي لا إلى مصطفى، أنبهه لما لم أجد منه مهربًا من عامٍ مضى، بينما كنت غارقًا في أفكاري حول الأقساط المتراكمة، محاولًا الاحتفاظ ببعض تركيزي وأنا أقود حافلة مكتظة بالبشر، ربتت على كتفي أناملها برقة كدتُ لا أشعر بها في خضم الزحام وال ضجيج سواء بداخلي أو من حولي. لم ألتفت، أخذت النقود وأعطيتها تذكرة كغيرها، وإن جذب انتباهي قليلًا عطر الياسمين المصاحب لها. تكررت اللقاءات وفي كل مرة كنت أشعر بها بمجرد أن تطأ قدمها سلم الحافلة، يختفي الزحام حولنا فجأة ليحل محله عطر الياسمين، يتهادى بنعومة مع حفيف ثوبها. كنا نتبادل تحية وابتسامة، مع كلمات قليلة عرفت منها مكان عملها حيث أقلها، ومنزلها في نهاية خط السير، تحولت الكلمات إلى أحاديث مطولة، ونكات خفيفة مرحة، كانت تحط بجواري كحمامة بيضاء تشبه روحها الشفافة، وحرصتُ أن أخصص لها المقعد الأمامي بجانبي، كي لا يزعجها أحد.

صرنا أصدقاء... أصدقاء نعم ولمَ لا!! أنا سائق لكنني أحمل مؤهلاً جامعياً، ظروفي صعبة لكن مشاعر ي تتحداها بقوة، الفارق بيننا يكاد ينعدم في كل لقاء، هي تهتم بي أي تكن لي مشاعر خاصة ..

نعم تكنّ لي مشاعر بالطبع، فبمَ تفسّر ال حلوى والسندويشات التي نتشاركها!! وذلك اليوم الذي جُرحت فيه يدي فأخرجت منديلها ولفته حول الجرح، وفي اليوم التالي أحضرت علبة من لاصق جروح طبي، ومطهر تحسبًا لأي جروح قادمة، وكأن كل الجروح تتداوى باللاصق الطبي، يا ليتها كانت ...

نتشارك حب الأغاني نفسها، والأفلام، لم أكن أشعر بالطريق طالما هي إلى جواري، أصرت على التخلي عن الألقاب، فكان اسمها أغنيتي المفضلة، أعطتني رقم هاتفها في حال احتجت لشيء، وكان احتياجي لها هي. لم أجرؤ على الاتصال بها يومًا، اكتفيت بتأمل اسمها على هاتفي، وكأنني لا أصدق أن لمسة ستنقلني إلى عالمها فورًا، أسمع صوتها دون مشاركة ضجيج الركاب، دون زحام ومقاطعة من أحد يسأل عن محطة الركوب أو يطلب تذكرة.

آه عندما كانت تساعدني وتقدم التذاكر للركاب، ذات مرة تلامست أناملنا، كدتُ أصطدم بحافلة أمامي، لا تتعجب من تأثير لمسة أنامل امرأة لا يمسها إلا ضوء القمر والصباح البكر.

انتقلت لمكان عمل آخر، انقطعت الأخبار، تجرأت أخيرًا وهاتفتها، أتاني صوتها رقيقًا هشًا، لكنه حامل ًا كثيرًا من المجاملات العامة، خاليًا من أي قرب!!

أنا في خانة الغريب أو أبعد قليلًا إذاً، أم في خانة الشفقة!!؟

لم تنتهِ بداخلي إلى الآن، ما زالت ملامحي تحتفظ بمسحة من ألم ورقة زرعتهما ب قلب ي ورحلت، يمكنني محادثتها، لكن بالتأكيد سأعود وحيدًا من هذه المحادثة.

حذارِ أن يأخذك الحنين إلى مكان تعود منه وحيدًا ...

أتسمعني يا مصطفى ... حذارِ

فهكذا تبدأ الحكايات ولا تنتهي ...

مهى نصرالله مهندسة تحمي ذاكرة بيروت بالريشة والألوان

الخوف من فقدان ما يسرّ العين في المدينة ويعيش في الذاكرة، دفع مهى نصرالله الى حمل عدّة ال رسم والتنقل من مبنى أثري الى آخر لتوثيق التاريخ العمراني "سكتشاً" يبقي الأثر. هاجس الفقد متأتٍّ من سياسات تدمّر مبنى بعد آخر من دون ورع. وفي أحيان كثيرة، يكون اهمال الترميم من معني، أو إهمال المارة والمحيط الأهلي لقيمة ما يجاورون، دليلاً الى خطر يوجب الاحتفاظ بصورة القرميد أو الحجر الأثري أو القناطر وغيرها بطريقة مختلفة. الرسم والألوان عنوان المواجهة.



مسار المهندسة مهى نصرالله التي تخرجت في الجامعة الأميركية في بيروت عام 1983، بدأ حين عادت الى بيروت عام 1991. صحيحٌ أن مونتريال جميلة و"فيها شيء لا أقوى على تحديده يشبه بيروت، لكن الفرح الدفين الذي أشعر به حين أسير في شوارع رأس بيروت والجميزة وغيرها لا تزرعه أمكنة أخرى في داخلي. رسم "السكتش" واحدة من مهمات أخرى تقوم بها المهندسة الفنانة التي تتسلم مشاريع عمرانية خاصة، وتعمل أيضاً في محترف لصنع الفخار في أشكال هندسية تحاكي أفكاراً واقعية وسوريالية. في أعمالها، يمكن رصد مجموعة "القبابيب" السورية الدالّة على ما تبقى من أثر بعد مجزرة قضت على مواطنين نادوا بالحرية. الفن يؤرخ هنا الحروب الملعونة.

خيانة الذاكرة حرب أخرى رهيبة. تحدثُنا نصرالله خلال سيرنا في شارع الجميزة المكتظ بزحمة السيارات والمارة في يوم نيساني تصارع فيها خيوط الشمس تلبّدات الغيوم. نقصد الطريق المنحنية المواجهة لمطعم مركز الصليب الأحمر، لنعثر على بيت قرميدي عتيق مهجور مجاور لمساحة تحوّلت مرأباً. ترفع المهندسة شعره ا الأبيض وتجلس على احدى درجات منزل مقابل للمبنى الأثري. تحكي وهي ترسم الخطوط وتفرش الألوان على الورق، عن بيروت نابضة يجب الحفاظ عليها مهما استشرس الواقع وحشية. التمسك بخيط الحقيقة واجب مهما كان الممسكون به قلة. في رأيها، أن ال جمال حقيقة والماضي وثيقة والحفاظ عليها عمل أخلاقي.

التربية دليل الانتماء النقي الى مدينة أو بلد. هو فعل تمارسه اليوم مع أولادها. والتربية ليست تلقيناً في فقه مهى نصرالله التي تستشهد بمسار الجوّ العائلي الذي نشأت عليه أسرتها المسيحية في ما سميَ ذات يوم "بيروت الغربية". جوّ صنوه الولاء لأمكنة مشتركة ولإرث حضاري غنيّ تشهد له هندسة عمرانية ثقافية راسخة.

لا تغادر ابتسامة الرضى وجه مهى، وتنفرج ضحكة بعد انهاء الرسمة، وقد أنجزت مهمة تحارب من خلالها النسيان. الرسمة الجميلة مهداة إلى الذاكرة، وإلى بيروت مدينتنا، وناسها، وأشجارها، وصخبها، وجنونها، وبردها وجحيمها. الى "سكتش" آخر.

diana.skaini@annahar.com.lb

إكتشف محتوى اكثر

تعليقات

إكتشف محتوى اكثر
افتحي Hayaa للمشاركة في المزيد من المواضيع النسائية
فتح

تحميل تطبيق Hayaa

لإدارة صحة فترة الدورة الشهرية ، شاركي في المواضيع الخاصة بالمرأة

Google play
App store

تم النسخ