الشعب يريد إسقاط النظام

الشعب يريد إسقاط النظام

لأنّ عبارة "الشعب يريد إسقاط النظام" التي يردّدها الثوار بنبرة أوامرية، جازمة، لا عودة عنها، ودون إرفاقها بالشروحات والتعريفات اللازمة، تُقلق الذين ذاقوا مرارة الحرب الأهلية، حيث ساد منطق تغيير النظام بالقوة، مقابل منطق الحفاظ عليه، بالقوة أيضًا، وذاقوا مع هذا المنطق لوعة غياب سلطة الدولة، وحلول الميليشيات المتفلّتة بديلاً منها. علاوةً على هؤلاء، تُقلق هذه العبارة كل الذين يخشون الفوضى، وضياع البلاد، والأمن والأمان.

في الحالتين، يتخيل هؤلاء أنّ إسقاط النظام يعني تفكيك المؤسسات وت دم يرها، وإلغاء الدستور والقوانين، وحل كل السلطات، وبالقوة، مشكّكين بسلمية الثورة وبياضها (الثورة البيضاء)، ومدنيتها، وديمقراطيتها.

وبصفتي متلقية لهذا التشوش واللغط، ومعنية بالانتفاضة الحالية سأقول فهمي لهذا الهتاف الثابت والمهيمن، وبكلمات بسيطة، علمًا أنّه يتألف من مجموع الهتافات، والجزئيات، التي يعلن من خلالها الثوار مظلوميتهم.

بكلمات بسيطة عبارة "الشعب يريد إسقاط النظام" تعني لي:

- إسقاط النظام القائم لأنّه عنصري، يُميّز بين مواطنيه ويوزّع عليهم الحقوق على أساس انتمائهم الديني، أي على أساس ما ورثوه، لا ما قرّروه واختاروه، وعلى أساس انتمائهم ال طبق ي والمناطقي، والعائلي، والجندري.

- إسقاط النظام لأنّه تحاصصي يقوم على تقاسم مراكز القوى الطائفيّة، موارد الدولة السياسية والإدارية، والمالية، والقضائية، والأمنية، والخدماتية، والإعلامية (تلفزيون لبنان مثالاً) وغيرها من موارد، واستخدام هذه الموارد في تعزيز نفوذ هذه القوى م حلي ًا، في مناطق نفوذها، وعلى مستوى الوطن، وصولاً إلى الخارج.

ويتزامن هذا النظام مع النظام التوافقي، الذي يقول بضرورة إشراك جميع الطوائف في الحكم، وصولاً إلى تشكيل حكومة "وحدة وطنية"، لم تنجح يومًا في العمل المجدي المشترك، بل نجحت في تثبيت التواطؤ على توزيع الحصص.

وهذا النظام التوافقي وتحت مسمى ضرورات "العيش المشترك" يلغي إمكانية ولادة معارضة سياسية حقيقية، ويجعل المجتمع اللبناني أمام سلطة متحاصصة متآزرة، متآمرة، مستبدة، رغم اختلافها حول بعض العناوين.

- إسقاط النظام لأنّه زبائني يقوم على كسب الولاء عبر تقديم المنافع والخدمات العامة، وابتزاز الناس في حاجاتهم وحقوقهم، والتدخل في التوظيفات، وحماية الفاسدين منهم، ومحاباة المقرّبين، وصرف النفوذ، وغيرها من الممارسات.

والنظام الزبائني يربط بين الناخبين والأحزاب الحاكمة بالخدمات والم كاس ب والامتيازات، التي تهبها هذه الأحزاب لأزلامها وجلاوزتها، مهمّشةً الخارجين على سلطتها وجبروتها.

وهذه الخدمات والمنافع والامتيازات التي تؤمّنها الأحزاب الحاكمة لأتباعها وجلاوزتها، على حساب الحقوق العامة، هي الخيط المتين الذي يربط بينها وبينهم، لا "المشاريع" و"الإنجازات" الوطنية التي تُحقّقها هذه الأحزاب لعموم المواطنين اللبنانيين.

- إسقاط النظام الذي لا يأخذ على عاتقه أمر تنظيم أحوال مواطنيه الشخصية ويتركهم نهبًا لقوانين المذاهب ومحاكمها.

- إسقاط النظام لأنّه يترك أيتامه ومحتاجيه ومعوزيه، وحتى طلابه، رهائن لدى مؤسسات الطوائف.

ولكنّ هذا النظام مرّ في أطوارٍ كلها سيئة والطور الحالي أشدّها سوءًا، لأنّ السلطة التي أنتجها في هذه الحقبة هي الأكثر إضرارًا بالصالح العام، ما يرفد المطالبة بإسقاطه شحنة إضافية.

- إسقاط النظام لأنّه فشل في توفير الخدمات العمومية الرئيسة الأولية: التعليم المجاني العالي الجودة، الاستشفاء، الإسكان للفقراء، الكهرباء، المياه، النقل، المواصلات، الطرقات، جمع النفايات، الحفاظ على سلامة البيئة، وفي ضمان شيخوخة مواطنيها وعدم تشرّدهم، وفي احتضان فقرائه، وغيرها من خدمات مشروعة.

- إسقاط النظام لأنّه فشل في توفير فرص عمل لشبابه وشاباته، وفي الدفاع عن حقوق عماله ضد جشع أرباب العمل، ولأنّه شتّتت النقابات وصادرها، ولأنّه يحتقر العمال والعمل.

- إسقاط النظام لأنّه أهمل القطاعات المنتجة، الصناعة والزراعة، المولّدة لفرص العمل، وللخيرات، لصالح القطاعات الريعية.

- إسقاط النظام لأنّه يتآمر مع التجار والمحتكرين ويجعلهم يستبدون حتى بأسعار السلع الحياتية، بالغذاء والدواء.

- إسقاط النظام لأنّه فاقم الفو ارق الاقتصادية والاجتماعية بين اللبنانيين وانتصر للأثرياء وأصحاب الثروات، ولأنّه يُجبر الفقراء على دفع كلفة السلطة: 80% من إيرادات الضرائب يوفرها الفقراء دون الأغنياء.

- إسقاط النظام لأنّ السلطة تستأثر بالقرار السياسي وتحجم المشاركة الشعبية السياسية، بتصميم قانون انتخاب على مقاس أركانها، وبالهيمنة على وسائل الإعلام، ومؤخرًا بكم أفواه الناس، وملاحقة الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي.

- إسقاط النظام القائم على تغليب الخاص على العام، وعلى التعسف في استعمال السلطة من أجل تحقيق مكاسب خاصة، وعلى إفساح المجال لنهب موارد الدولة، وال أمل اك العامة، دون رقيب وحسيب، وجعل لبنان من البلدان الأكثر فسادًا في العالم، ودولته من أفشلها.

- إسقاط النظام القائم على انتهاك القوانين الدستورية وغير الدستورية، وسنّ أخرى لا تخدم سوى المصلحة الذاتية.

- إسقاط النظام لأنّه آل وبسبب فساد ولامبالاة حكامه وان شغاله م بتقاسم الحصص، وتعزيز إمبراطورياتهم السياسية، والانتخابية، والزبائنية، والمالية، إلى انهيار مالية الدولة، وإلى نزوعهم لحل مشكلة عجز الموازنات المتتالية على نفقة الناس.

اللائحة تطول وما تقدم ليس سوى تكثيف لمرتكزات هذا النظام وارتداداته الكارثية.

إنّ هذه الأسباب التي تدفع إلى المطالبة بإسقاط النظام إنّما تستهدف بنيته الطائفية التحاصصية الزبائنية أولاً، كما مجمل السياسات التي تعتمدها القوى الناجمة عنه، منذ التسعينات خصوصًا، بحيث إنّ الفصل بين الأسباب والنتائج يبدو متعذّرًا، رغم أنّ القوى التي حكمته منذ التسعينات حتى اليوم ، تعسفت أيّما تعسف في استخدام الامتيازات التي يمنحها لها هذا النظام، وعاثت فسادًا وظلمًا، مبرهنةً على أنّ هذا النظام سيس تمر في نقلنا من كارثة إلى أخرى.

بكلمات أخرى إنّ الأسباب التي تدفع إلى المطالبة بإسقاط النظام، والتي تدمج بين بنيته الطائفية التحاصصية الزبائنية، ومجمل السياسات التعسفية المعتمَدة منذ التسعينات حتى اليوم، تجعل الفصل بين الأسباب البنيوية والنتائج متعذّرًا.

إنّ التغيير لن يتمّ إلا باعتماد أداة مختلفة لإنتاج السلطة، تنطلق من كون اللبنانيين أعضاء في دولة لا طائفة، وأنّهم متساوون أمام القانون، وأنّ حاجاتهم الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والثقافية والتربوية والبيئية، والسياسية ليست مرتبطة بدينهم، أو طائفتهم، وهذه الأداة هي "قانون الانتخاب"، أولاً، وهنا يبدأ نقاش آخر.

وبالمختصر المفيد، إنّ هؤلاء الشبان والشابات يريدون دولة مدنية، عادلة، وراعية لأبنائها.

ولا يفوت أحد أنّ الطموح إلى إسقاط النظام يستلزم جهودًا توازي تلك التي بُذلت لبنائه، وأنّ مهمة إسقاطه ستتوارثها الأجيال وصولاً إلى دولة مدنية، وعادلة، وراعية، ورشيدة. إنّ رحلة الألف ميل ال طويل ة، بدأت منذ 17 تشرين الأول 2019.

وفي الختام، وإن كانت الرغبة في "إسقاط النظام" عارمة، فهي لا تؤدي بالضرورة إلى العنف، المكروه من الجميع، والدليل على ذلك أنّ الثائرين والثائرات يريدون أن يكون "البرلمان"، وعبر قانون انتخابي عصري، مقرًا لطموحهم.

ماذا بعد فتح المصارف؟

إكتشف محتوى اكثر

تعليقات

إكتشف محتوى اكثر
افتحي Hayaa للمشاركة في المزيد من المواضيع النسائية
فتح

تحميل تطبيق Hayaa

لإدارة صحة فترة الدورة الشهرية ، شاركي في المواضيع الخاصة بالمرأة

Google play
App store

تم النسخ