"أنا مش كافر بس الجوع كافر"... كيف نتجنّب تكرار مأساة ناجي الفليطي وجورج زريق؟

أت ذكر ون جورج زريق الذي أشعل النار في نفسه احتجاجاً على ع دم إعطائه إفادة مدرسية لابنته لعدم تسديده المستحقات المالية، وأشعل نار الوجع والغضب في صدر كل مواطن؟! بالأمس تكرر المشهد، بعد أن ضاقت ال حياة في وجه ناجي الفليطي الذي وجد نفسه عاجزاً عن تأمين لقمة العيش فقرر إنهاء حياته.

ليست المرة الأولى التي يقع فيها اللبنانيون ضحية التردّي الاقتصادي والمعيشي، ما نعيشه اليوم من فقر وإذلال مُخيفٌ جداً، الناس خائفة، تعيش صراعاً وقلقاً من الغد، التهافت على التموّن يفضح خوفهم المبرر وغير المبرر، لكن الخوف الأكبر أن يطول الفقر والظلم وتتخبط الناس بعجزها ويأسها من كيفية تأمين لقمة عيش ل أطفال ها. لم يُخطئ زياد الرحباني عندما غنّى "أنا مش كافر بس الجوع كافر، أنا مش كافر بس الذل كافر، أنا مش كافر بس ال مرض كافر..."، فكيف نتجنب تكرار المأساة نتيجة الوضع المعيشي والاقتصادي المتردّي؟

بالأمس، كان علينا أن نواجه الوجع نفسه، والغضب نفسه، والحداد نفسه. كان ناجي يعيش صراعاً داخلياً فاق قدرته على التحمل، يصعب على ال رجل أن يعترف بعجزه أو ضعفه أو وجعه الذي يسكن أفكاره، لا يمكننا أن نبحث عن الأسباب التي دفعت برجل وهو والد لطفلين أن ينهي حياته، لكن كيف يمكن مساعدة الشخص المرهق نفسياً لتخطي هذه ال مرحلة الصعبة؟ اللبنانيون يعيشون في ظروف صعبة، والآتي قد يكون أصعب في حال اس تمر ارتفاع الأسعار وعدم حصول بعض الموظفين على رواتبهم،  أو الحصول على نصف راتب، أو حتى توقف البعض عن العمل كليّاً. الحالة المعيشية باتت أصعب، والخوف من الغد بات هاجساً يتوجب التوقف عنده جديّاً.

توضح المعالجة النفسية وأحد مؤسسي جمعية Embrace ميا عطوي لـ"النهار" أن "90% من أسباب الوفاة عن طريق ال انتحار يكون بسبب مرض نفسي يمكن معالجته، لكن هذا لا يُغيّب دور العو امل الاجتماعية والاقتصادية التي تزيد من حدة الضغوطات. نعرف جيداً أن الضغوط المعيشية وعدم القدرة على تأمين لقمة العيش من شأنها أن تؤثر على الشخص وتجعله يعيش اكتئاب اً أو اضطراباً أو قلقاً، لكن هذا لا يُلغي أيضاً وجود عوامل الخطر عند الشخص وميوله الانتحارية التي تظهر واضحة عند مواجهته لظروف صعبة. لذلك، كعلماء نفس، لا يمكننا أن نبحث في الأسباب التي دفعت ناجي إلى الانتحار لأننا لا نعرف ماضيه، وما يحمله في داخله، وما عاشه من صدمات وجروح نفسية، لكن الأكيد أن ناجي كان يعيش صراعاً داخلياً وشعوراً بالعجز أدى إلى تفاقم مشاعر الحزن و الاكتئاب والتعب وفقدان ال أمل ".

وأشارت إلى أنه "يصعب على الرجل أن يُعبّر ويتحدث عن مشاعره ومخاوفه؛ في حالة ناجي نحن لا نعرف ما عاشه في الماضي، وما إذا كان يعاني من اضطراب أو مرض نفسي، لكن الأكيد أن لديه استعداداً، وأن الحالة المعيشية الصعبة أثّرت على حالته النفسية وكتبت هذه النهاية الحزينة. يكفي أن يعبّر الشخص عن نية الانتحار أو إنهاء حياته في أية فترة من حياته حتى تبرز ضرورة أخذ ذلك بعين الاعتبار. لذلك من المهم أن نُذكّر بالعلامات التحذيرية التي تدعو للتدخل السريع وأهمها:

- تعبير الشخص عن رغبة بالموت أو إنهاء حياته

- الانعزال عن المحيط

- الشعور بت قلب ات مزاجية حادة

- فقدان الاهتمام بمعظم الأنشطة

- التصرف بتهوّر زائد

- إهمال الذات والشكل والأنشطة التي كان يحبها

- الاكتئاب والحزن الزائد واليأس والعصبية الزائدة

- الشعور بألم لا يمكن تحمله أو تفسيره

- شعور الشخص بأنه عبء على غيره

- فقدان الأمل بالحياة وعدم وجود جدوى لها

في حال ملاحظة أيّ من هذه العلامات، لا بد من التحدث مع الشخص في هذا الموضوع ومحاولة تشجيعه على التعبير عما يشعر به، وما يفكر به من أفكار سوداوية. كما يحتاج في هذه الحالة إلى التحفيز للجوء إلى ال علاج النفسي بأسرع وقت ممكن لمعالجة أية مشكلة نفسية يعانيها. عندها يشعر الشخص بأن ثمة من يساعده ويقف إلى جانبه ويمكن للأمور أن تتحسن. 

وتشرح عطوي أن "الانتحار هو أمر يمكن الوقاية منه. تسعون بالمئة من حالات الانتحار تنتج عن شكل من أشكال المرض النفسي الذي يمكن علاجه. معظم الأشخاص الذين يحاو لون أو يقومون بالانتحار يعانون من واحد أو أكثر من الاضطرابات النفسية القابلة للعلاج مثل الاكتئاب، اضطراب ثنائي القطب، الإدمان على الكحول أو المخدرات، و الفصام . لذلك نستطيع تجنب عدد كبير من محاولات الانتحار والموت المفجع في حال التدخل السريع وفي الوقت المناسب، من هنا تعود أهمية التشديد والتركيز على العلامات التحذيرية التي تساعدنا في التدخل المبكر".

وتشدد عطوي على أنه من المهم أن نعرف أن "الشخص الذي يحاول الانتحار ليس شخصاً أنانياً أو ضعيفاً، ولا يريد فعلاً إنهاء حياته، إنما يريد التخلص من الألم الكبير الذي ينتج عن مرض نفسي والذي بجزء كبير ينتج عن مشاكل عضوية وبيولوحية ووراثية، بالإضاقة إلى العوامل النفسية والبيئية. لذلك توفير البيئة الحاضنة ووجود الدعم الاجتماعي يلعبان دوراً أساسياً في الحماية من مخاطر الانتحار، ويساعدان الشخص على مواجهة صعوباته".

وتختم متوجهة "إلى الاشخاص الذين يعانون قائلة": "لا تخجل من طلب المساعدة، ولا تخف من الحديث، هناك حوالى 20% من اللبنانيين يعانون من مرض نفسي و25-50% من اللبنانيين يمرون بوقت عصيب من حزن وضغط واضطرابات نفسية ستزول في حال طلبت المساعدة. لذلك هدفنا تشجيع الناس على الحديث، أن نقول لهم إننا هنا من أجلهم، وإننا مستعدون لسماعهم متى أرادوا ذلك. إنهم ليسوا بمفردهم، وإن هناك على الطرف الآخر من السكة من يُريد سماعه في أي وقت. يعرف جيداً المتطوعون في الخط الساخن ما يعيشه الناس من قلق واكتئاب وضغوط نفسية واجتماعية، لذلك لا تترددوا في طلب المساعدة" على خط الحياة 1564، وهو الخط الوطني الساخن للوقاية من الانتحار في لبنان بالتعاون مع البرنامج الوطني لل صحة النفسية في وزارة الصحة .

من جهته، يؤكد عالم الاجتماع الدكتور أحمد عياش أن "وحدها حدة الاحتقان النفسي تخطت الخطوط الحمر في الذات اللبنانية فالصعوبات الحياتية والضغوطات الاقتصادية والمالية والأعباء العائلية والحالة الصحية مجتمعة تنحو بالمزاج إلى الحزن والخيبة والاكتئاب، والأخطر إلى شعور اللاجدوى من المبادرة ومن العمل غير المنتج، الأمر الذي يؤدي إلى حالة من اليأس من إمكانيات النفس الممزقة والروح المتكسرة، ما يضع "الأنا" اللبنانية أمام خيارات مصيرية، فإما السرقة وإما الإجرام وإما الانتحار وإما الانتفاضة، وكلها حلول مرفوضة من الضمير ومن الدين ومن القانون، ما يجعل "الأنا" تقارن نفسها بالآخرين وتتهم نفسها أكثر بالفشل والتقصير".

مضيفاً أنه "أمام هذا الصراع النفسي يختار أصحاب المناعة النفسية وأصحاب التربية العنفوانية إلى الانتفاضة والثورة، بينما البعض الآخر من أصحاب البنية النفسية العدوانية يختارون الإجرام، في حين يختار أصحاب النفسية المسالمة والمرهفة والحساسة والعالية الكبرياء، الانتحار. منذ شهر حذّرنا من الأزمات المالية والنقدية والانتحار والإجرام، وها نحن اليوم نواجه هذا الواقع".

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إكتشف محتوى اكثر

تعليقات

إكتشف محتوى اكثر
افتحي Hayaa للمشاركة في المزيد من المواضيع النسائية
فتح

تحميل تطبيق Hayaa

لإدارة صحة فترة الدورة الشهرية ، شاركي في المواضيع الخاصة بالمرأة

Google play
App store

تم النسخ